وأما الإرادة فإنها قد تتعلق بالتكليف من الأمر والنهي ، وقد تتعلق بالمكلف به أي إيجاده وإعدامه ، فإذا قيل : إن الشيء مراد ، فقد يراد به أن التكليف به هو المراد ، لا عينه وذاته . وقد يراد به أنه في نفسه هو المراد ، أي إيجاده أو إعدامه . فعلى هذا ما وصف بكونه مرادا ، ولا وقوع له ، فليس المراد به إلا إرادة التكليف به فقط . وما قيل إنه غير مراد . وهو واقع ، فليس المراد به إلا أنه لم يرد التكليف به فقط .
ومن حقق هذه القاعدة أمكنه التفصي عن قوله :
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ
[ غافر : 31 ] بأن يقال : المراد به إنما هو نفي الإرادة بالتكليف به ، لا من حيث حدوثه ، وكذا قوله :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ البقرة : 185 ] معناه الأمر باليسر ، ونفيه عن العسر . وعلى هذا يخرج قوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات :
56 ] فإنه ليس المراد به وقوع العبادة ، بل الأمر بها .
وقول بعض الأصحاب في تقرير الأمر بما ليس بمراد : إن ما يتعلق به الأمر والنهي ، إنما هو أخص وصف فعل المكلف ، وهو ما يصير به طائعا أو عاصيا ، وذلك الأخص هو ما يتعلق بكسبه ويدخل تحت قدرته ، وبه يتحقق معنى التكليف ، وهو ما جعلته المعتزلة من توارد الحدوث ، لا أن التكليف متعلق بأصل الفعل ، إذ هو فعل اللّه - تعالى - وذلك لا يجوز التكليف به ، إذ هو من فعل الغير ، والتكليف بفعل الغير تكليف بما لا يطاق . فإذا ما يقع به التكليف إنما هو ما ينسب إلى فعل العبد واكتسابه ، وليس ذلك مرادا للّه - تعالى - ولا داخلا تحت قدرته ، غير صحيح . على ما سيأتي تفصيل القول فيه إن شاء اللّه .
وأما ما ذكروه من المحال الرابع :
فمبني على فاسد قولهم : إن ما سبق من الإرادة لا يكون إلا عزما ، مع سبق فكر وتردد . ولا يخفي ما به من التحكم وهو وإن أمكن تخيله في