تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
بوجوب الإمهال عند الاستمهال ، ولا محيص لهم عنه ، فأما على رأي أهل الحق فلا ، وأنى يجب ذلك على من ظهر صدقه في مقالته ، بالدلالات الواضحة ، والمعجزات اللائحة ، لا سيما وهو متصد للدعوة الشامخة ، والكلمة الباذخة ، وما فيها من صلاح نظام الخلق ، والإرشاد إلى السبيل الحق ، الذي به يكون معاشهم في الدنيا ، وحصول سعادتهم في الأخرى ؟ ! وإنما ذلك مبني على فاسد أصول الخصوم في التحسين والتقبيح ، وقد أبطلناه ، بل ولو وقع الإلزام على أصلهم بقبح التأخر والإمهال في النظر ؛ حيث لم يرشدهم إلى المصالح ، ويحذرهم من المهالك ، ويعرفهم طريق السعادة ليسلكوها ، ومفاوز المخافة ليرهبوها ، بعد ما ظهر صدقه واتضحت كلمته بالمعجزات القاطعة ، والبراهين الساطعة ، لم يجدوا إلى دفع ذلك سبيلا . كيف وأن ما يجب النظر لأجله فالنبي قائم بصدده ومتكفل بأوده ، من تعريف ذات الباري وصفاته ، وما يتعلق بأحكام الدنيا والأخرى ؟ ! ولهذا إذا فحص عن أحوال الأنبياء والمرسلين وجدناهم في الدعوة إلى اللّه تعالى وإلى معرفة وحدانيته سابقين ، ولذلك على دعوى النبوة مقدمين . وعند ذلك فليس طلب الإمهال مع ما ظهر من صدق الرسول ودعوته إلى ما فيه صلاح نظام المدعو ، مع إمكان وقوع الهلكة على تقدير التأخر ، إلا كما لو قال الوالد لولده مع ما عرف من شفقته ، وحنوه ورأفته : إن بين يديك في هذا الطريق سبعا أو مهلكة ، وإياك وسلوكه ، وكان ذلك في نفسه ممكنا ، فقال الولد : لا أمتنع من ذلك ما لم أعرف السبع أو المهلكة ، لقد كان ذلك منه في نظر أهل المعرفة يعد مستقبحا ، ومخالفا للواجب ، ولو لم ينته فهلك كان ملوما مذموما غير معذور . وأما ما ذكروه من قبح البعثة إلى من علم اللّه أنه لا يؤمن فهو أيضا مبني على أصلهم في التكليف بما لا يطاق ، والقبح والحسن ، وقد أفسدناه . ثم يلزم الصابئة الملتزمين لتصديق شيث وإدريس ، ومن التزم من البراهمة