تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
وإرادته ، وذلك كما إذا قال : أنا رسول وآية صدقي نزول المطر في هذه الحالة ، وليس ثم غيم ولا تصاعد أبخرة ، ولا علامة دالة على نزول المطر ، فإنه إذا نزل المطر كان ذلك آية صدقه ؛ من حيث وقوعه على وفق مقالته ، وعدم دخوله تحت قدرته وإن كان نزول المطر في نفسه ليس بخارق ولا نادر ، وكذلك الكلام في حق كل من ظهر هذا الخارق على يديه مقترنا بالتحدي ، فإنه يجب القول بتصديقه في قوله ، والإجابة لدعوته ، نعم إن تصور منه التحدي ، والإخبار بأن آية صدقه أن ما ظهر على يده لا يظهر على يد غيره ، فإن معجزته لا تتم إلا بعدم ظهور ذلك إلا على يده ؛ إذ الإعجاز ليس إلا فيه ، فإن ظهر على يد غيره فإن ذلك لا يكون آية على صدقه ، بل يتبين به كذبه في مقالته . وأما الإشارة إلى عدم تمييز المعجزة عن الكرامات ، والسحر ، والطلسمات ، وغير ذلك من الأمور العجيبات ، فالجواب الإجمالي فيه : هو أن ادعاء أن كل مقدور للّه تعالى مما يمكن تأتيه بهذه الأمور مما يعلم بطلانه بالضرورة ؛ فإن أحدا من العقلاء لا يجوز انتهاء السحر والطلسم وغيره من الصنائع إلى فلق البحر وإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص . وإن قيل بالتفاوت فقد جوز من جهة العقل تصور تصديق للرسول بما لا يتأتى من السحر ولا بغيره ، وهو ما وقع مقصودنا هاهنا ، وليس تشوفنا إلا للفرق من جهة التفصيل ، فيستدعي ذلك تحقيق المعجزة ، وبيان خواصها التي لا يشاركها فيها غيرها ، فنقول : المعجزة في الوضع مأخوذ من العجز ، وهو في الحقيقة لا يطلق على غير الباري تعالى ؛ لكونه خالق العجز ، وإن سمينا غيره معجزا ، كما في فلق البحر وإحياء الموتى ، فذلك إنما هو بطريق التجوز والتوسع ، من كونه سبب ظهور الإعجاز ، وهو الإنباء عن امتناع المعارضة ، لا الإنباء عن العجز عن الإتيان بمثل تلك المعجزة كما يتوهمه بعض الناس ، فإن ذلك مما لا يتصور العجز عنه حقيقة ؛ فإن دخلت تحت قدرته فلا عجز ،