فالذي ذهب إليه عصابة أهل الحق من الإسلاميين وغيرهم من الطوائف المحققين أنه لا خالق إلا اللّه تعالى وأن وجوب وجود ما سواه ليس إلا عنه .
وخالفهم في ذلك طائفة من الإلهيين ، وجماعة من الثنوية والمعتزلة والمنجمين .
فأحرى مبدوء به إنما هو البحث عن تفصيل مذهب كل فريق ، والإشارة إلى إبطال مآخذهم ، والكشف عن زيف مسالكهم .
هامش
- بيان امتناع قيام الحوادث بذات الرب - تعالى - . وأما أهل الحق : فقد احتجوا بالنص ، والإطلاق ، والمعقول . أما النص : فقوله - تعالى -هذا خَلْقُ اللَّهِ[ لقمان : 11 ] وأراد به المخلوق . وأما الإطلاق : فالعرف شائع ذائع بقولهم : انظر إلى خلق اللّه . وهذا خلق اللّه إشارة إلى المخلوق . وأما المعقول : فهو أن الخلق لو كان صفة زائدة على نفس المخلوق ، لم يخل : إما أن يكون وجودا ، أو لا وجود .
لا جائز أن يكون لا وجود . فإن نقيض الخلق لا خلق . ولا خلق عدم ؛ لاتصاف المعدوم المستحيل به ؛ فكان الخلق وجودا . وإذا كان موجودا : فإما قديم ، أو حادث . لا جائز أن يكون قديما : وإلا لزم قدم المخلوق ؛ ضرورة استحالة الخلق ، ولا مخلوق . وإن كان حادثا : استدعى خلقا آخر ، والكلام فيه ، كالكلام في الأول ؛ وهو تسلسل ، أو دور ممتنع . فإن قيل : إذا كان الخلق هو نفس إيجاد الشيء ، واختراعه ؛ فنحن نعقل التفرقة بين وجود الشيء في نفسه ، وإيجاده بإيجاد غيره له ، وبيانه من وجهين : الأول : أنا قد نعقل وجود الشيء في نفسه ، ونجهل إيجاده بالغير حتى نعرفه بالدليل ؛ والمعلوم غير ما ليس بمعلوم . الثاني : أنه يصح أن يقال : هذا موجود بإيجاد الغير له ؛ فنصف الوجود بالإيجاد ، والصفة غير الموصوف . وإذا كان كذلك ؛ فلا يكون الخلق هو المخلوق ، ولا الإيجاد هو نفس الموجود . وأما إطلاق الخلق بإزاء المخلوق : فلا يدل على أن الخلق في الحقيقة هو نفس المخلوق ؛ بل إنما ذلك تعبرة باسم الخلق عن المخلوق بطريق التجوز بكونه سببا له أو ملازما له كما في إطلاق القدرة على المقدور في قولهم : انظر إلى قدرة اللّه : أي مقدوره ، ودليل التأويل : ما ذكرناه من الدليل على كون الخلق حقيقة زائدة على المخلوق . . . . وانظر أيضا : الإرشاد للجويني ( ص 208 ) ، وشرح النسفية ( ص 350 ، 370 ) .