النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي »
« 1 » .
اعلم أنّ الإنسان في أحواله وأفعاله وأطواره يسعى آنا فآنا إلى الكمال المطلق ، سواء كان عالما بذلك أم لا ، معتقدا بما وراء الطبيعة أم لا ، فهو في سعيه يخرج كل آن من القوّة إلى الفعل . وان شئت قلت يموت كلّ آن عن نقص ويحيى بحيوة ، ومع أنه يموت آنا فآنا يخاف الموت ، قوله - سبحانه - :
« قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ »
« 2 » ، ومن يخاف الموت فهو في الحقيقة يخاف نفسه . وبعبارة أخرى : « إنّ العقل لا يخاف الموت والعاقل بمعزل عن تقيّة الموت ، وانما يخافه من ليس له الا أوهام باطلة وملكات مؤذية ، فالوهم هو الخائف من الموت لا العقل » ونعم ما في شرح الأسماء للمتأله السبزواري : « ان الانسان الطبيعي المطيع للوهم يقول : اللّهم ابقني في الدنيا وهو بسرّه وعلانيّته حتى وهمه متوجه إلى ربه كل يبتغي وجهه والتمكن في ذراه أو سجنه وأركان بدنه تطلب احيازها الطبيعية ، وفروخه المحتبسة في بيوض المواد من قواه العلامة والعمّالة تستدعي النهوض والطيران ، بل الأدوار والاكوار تقتضي آثارها ، بل الأعيان الثابتة اللازمة للأسماء يقولون لكل امّة من الصور انطبعت وتعلّقت بالمادة : إلى متى تلبثون هنا وتعطلون المراد ألم تنقض نوبتكم وشمّروا لسفركم وتأهبوا للقاء أميركم ليصل النوبة إلى طائفة أخرى ؟ ولذا فالروح يتمنّى الموت ويفارق البدن بالاختيار ، والكاره له هو الوهم ، وان كان هو أيضا طالبا له بلسان الاستعداد يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه « 3 » .
ومن كلمات الشيخ الرئيس السامية في وجيزته الثمينة في الشفاء من خوف الموت ومعالجة داء الإغتمام به أن الخائف من الموت هو الخائف من عدل اللّه وحكمته ؛ بل هو الخائف من جوده وعطائه . وقال في مفتتحها بعد التسمية والتحميد :
« لمّا كان أعظم ما يلحق الانسان من الخوف هو الخوف من الموت ، وكان هذا الخوف عاما وهو مع عمومه أشد وأبلغ من جميع المخاوف ، وجب أن أقول : إن الخوف من الموت ليس يعرض إلّا لمن لا يدري ما الموت على الحقيقة ؛ أو لا يعلم إلى اين تصير نفسه ؛ أو لأنه يظن أنه إذا انحلّ وبطل تركيبه فقد انحلّت ذاته وبطلت نفسه بطلان عدم ودثور ، وان العالم
هامش
( 1 ) . اربع رسائل للشيخ الرئيس بتصحيح الاهواني ، ط ( مصر ) ، 1371 ه . ق ، ص 186 .
( 2 ) . الجمعة : 9 .
( 3 ) . شرح الأسماء ، ط 1 ( الناصري ) ، ص 32 .