نعلم أن أجرام العالم تنفعل لهم النفوس إذا أقيمت في مقام الجمعيّة ، وقد عاينّا ذلك في هذا الطريق فكان من سليمان مجرد التلفّظ بالأمر لمن أراد تسخيره من غير همة ولا جمعيّة » .
أقول : صاحب الأمر هذا هو ذو نفس مكتفية . والنفس المكتفية محلّ مشية اللّه وأمره قائم مقام أمر اللّه . وبذلك دريت سرّ كون الإمام صاحب العصر والزمان المهدي المنتظر - صلوات اللّه وسلامه عليه - موصوفا بصاحب الامر ؛ فافهم .
اعلم أن نسبة الهمّة إلى الامر كنسبة الفكر إلى الحدس في طريق النظر ، وكنسبة السلوك إلى الجذبة في العرفان العملي . والغرض ان الفكر حركة النفس إلى تحصيل ما لم يكن حاصلا لها فهو يدل على كون النفس الفاكرة فقيرة ناقصة ؛ والهمّة هي تجمّع القوى وتوحّدها لكي تستولى النفس على انشاء ما شاءت ، ففي الهمة شائبة حركة أيضا فهي تدل على نقص النفس كالفكر . والسلوك كالفكر حركة نحو المطلوب الذي ليس بحاصل ؛ والحدس عار عن الحركة لأنه انتقال دفعي وكذلك الجذبة ، فالهّمة تشبه الفكر والسلوك ، والأمر كالحدس والجذبة ليس له حالة منتظرة ، فصاحب الأمر صادق في حقه كلامه سبحانه :
« إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
« 1 » .
ثمّ لا يخفى عليك أن لكل مرتبة من المراتب الثلاث درجات لا يتيسرّ حصرها وضبطها . قال تعالى :
« تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ »
« 2 » ،
« وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ »
« 3 » ،
« وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ »
« 4 » . هذا ما أردناه من الحكاية عن البارقة .
وممّا يليق الإيماء به في البحث عن الهمّة ، تكوّن النبي عيسى روح اللّه - عليه السلام - حين انتباذ أمّه مريم - عليها السلام - من قومها ، ونفخ جبرئيل فيها في صورة الشابّ الحسن الوجه ، فنأتي بما أشار إليه الشيخ الأكبر الطائي في مفتتح الفص العيسوي من فصوص الحكم - كما تقدم في العين الثامنة نقله في بيان تأثّر كل واحد من النفس والبدن عن الآخر - وبما أفاده بعض الشرّاح في بيان كلامه ، مع اختصار في النقل فهي ما يلي :
هامش
( 1 ) . يس : 84 .
( 2 ) . البقرة : 254 .
( 3 ) . الاسراء : 56 .
( 4 ) . النحل : 72 .