أقول : وقد اقبل على هذا المستكين في عامه الأربعين أحوال طارية غريبة كأنّ الايماء إليها يوهم بعض الظّنون للظّنون ، ولست أدري هل النفوس الأخرى باختلاف استعداداتها أيضا تقبل عليها نظائر تلك الأحوال أم لا ؟ وقد صنفت كتابا في شرح أربعين حديثا كل حديث في أربعين تذكارا للأربعين من عمري .
الفصل العاشر من الباب الثالث من نفس الأسفار : « النفس الآدمية ما دام كون الجنين في الرحم درجتها درجة النفوس النباتية على مراتبها . وهي انما تحصل بعد تخطّي الطبيعة درجات للقوى الجمادية فالجنين الإنساني نبات بالفعل حيوان بالقوة لا بالفعل إذ لا حس له ولا حركة ، وكونه حيوانا بالقوة فصله المميز عنه عن سائر النباتات الجاعل له نوعا مبائنا للأنواع النباتية .
وإذا خرج الطفل من جوف أمّه صارت نفسه في درجة النفوس الحيوانية إلى أوان البلوغ الصوري والشخص حينئذ حيوان بشري بالفعل انسان نفساني بالقوة .
ثم يصير نفسه مدركة للأشياء بالفكر والروية مستعملة للعقل العملي ؛ وهكذا إلى أوان البلوغ المعنوي والأشدّ الباطني باستحكام الملكات والأخلاق الباطنة ، وذلك في حدود الأربعين غالبا فهو في هذه المرتبة انسان نفساني بالفعل ، وانسان ملكي أو شيطاني بالقوة يحشر في القيامة إما مع حزب الملائكة ، وإما مع حزب الشياطين وجنودهم ؛ فإن ساعده التوفاق وسلك مسلك الحق وصراط التوحيد وكمل عقله بالعلم وطهر عقله بالتجرد عن الأجسام يصير ملكا بالفعل من ملائكة اللّه الّذين هم في صفّ العالين المقربين ، وإن ضلّ عن سواء السبيل وسلك مسلك الضّلال والجهّال يصير من جملة الشياطين ، أو يحشر في زمرة البهائم والحشرات » « 1 » .
بيان : قوله : « نبات بالفعل » ، قال - عز من قائل - :
« وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً »
« 2 » وإنما أنبتها نباتا حسنا لأن منبتها كان طيبا . قال - تعالى شأنه - :
« نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ »
« 3 » ؛ وقال :
« أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ »
« 4 » وقال :
« وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ
هامش
( 1 ) . الأسفار ، ط 1 ، ج 4 ، ص 33 .
( 2 ) . آل عمران : 37 .
( 3 ) . البقرة : 224 .
( 4 ) . الواقعة : 64 - 65 .