هؤلاء القوم من أكابر العرفاء واصطلاحاتهم وكلماتهم المرموزة خالية عن البرهان من قبيل المجازفات التخمينيّة أو التخيّلات الشعرية حاشاهم عن ذلك . وعدم تطبيق كلامهم على القوانين الصحيحة البرهانية ، ومقدماتهم الحقة الحكميّة ناش عن قصور الناظرين وقلة شعورهم بها وضعف إحاطتهم بتلك القوانين وإلّا فمرتبة مكاشفاتهم فوق مرتبة البراهين في إفادة اليقين ؛ بل البرهان هو سبيل المشاهدة في الأشياء التي يكون لها سبب إذ السبب برهان على ذي السبب ، وقد تقرر عندهم أن العلم اليقيني بذوات الأسباب لا يحصل إلّا من جهة العلم بأسبابها ؛ فإذا كان هذا هكذا فكيف يسوغ كون مقتضى البرهان مخالفا لموجب المشاهدة ؟ وما وقع في كلام بعض منهم : إن تكذبهم بالبرهان فقد كذبوك بالمشاهدة معناه إن تكذبهم بما سميت برهانا ، وإلّا فالبرهان الحقيقي لا يخالف الشهود الكشفي » .
اعلم أنه لم يدّع أحد من أساطين العلوم العقلية أن تحصيل المعارف يتأتى بالحواس وبالقياس فقط ، وليس له طريق آخر ؛ بل صرّحوا بأن للانسان في تحصيلها طرقا أخرى وراء الفكر والنظر فقد قال الشيخ : في الحكمة المشرقية كما في تعليقات صدر المتألهين على الشفاء » « 1 » إن بعض البسائط توجد لها لوازم توصل الذهن بصورها إلى حاق الملزومات ، وتعريفاتها لا يقصر عن التعريف بالحدود . بل قال أبين وأحسن من هذا في التعليقات « 2 » :
« إذا فارقت النفس البدن ، ولها الاستعداد لادراك المعقولات فلعلّها تحصل لها من غير حاجة لها إلى القوى الجسمانية التي فاتته » .
تنبيه : بما تحقق في هذه العين يعلم وجه مذمّة العقل في لسان العارفين باللّه ، فإنهم لا يريدون بها مذمّة العقل الكلي ؛ بل العقول الجزئية النظرية بمعنى انهم يحثّون أهل النظر على مقام ارفع وهو كسب العلم الوهبي الذي فوق النظر بمراحل . وتفصيل البحث عن ذلك يطلب في كتابنا « نثر الدراري على نظم اللئالي » فان شئت فراجع اليه .
هامش
( 1 ) . الشفاء بتعليقات صدر المتألهين ، ط 1 ( الرحلي ) ، ص 17 .
( 2 ) . التعليقات ، ط ( مصر ) ، ص 23 .