أقول : يشبه أن يكون مفاد ما نقلناه من فردوس الحكمة عن أرسطو ، وما في كتاب النفس بترجمة الأهواني عنه ، واحدا ؛ وكلا النقلين ترجمة عبارة واحدة ، إلّا أن ما في الأول أمتن وأحسن وأوفى . والمردا بالحقيقة الكاملة في ترجمة الأهواني ، هو اللّه سبحانه . وما في الفردوس من أن « من عرف ذاته قوي على معرفة اللّه » هو ما في نقل الأهواني : « ويبدو أيضا ان معرفة النفس تعين على معرفة الحقيقة الكاملة » ولكن ، أين أحدهما من الآخر ؟ وليس عندي من كتاب نفس أرسطو بالعربية غير ترجمة الأهواني ؛ وكلما نقل من كتاب أرسطو في كتابنا هذا فإنما هو بترجمته ولم يحضرني إلى الآن كتاب نفس أرسطو بترجمة حنين بن إسحاق . وانما قلت يشبه أن يكون مفادهما واحدا وكلاهما ترجمة عبارة واحدة لأنه لم يعهد في كتاب نفس أرسطو كلام آخر في ذلك غير ما نقلناه عنه ، وأمكن أن يكون كلامه في كتابه الآخر على النحو الذي في الفردوس ، دون كتاب النفس ، واللّه سبحانه هو العالم .
ونعم ما أفاد صدر المتألهين في الأسفار من أن مفتاح العلم بيوم القيامة ومعاد الخلائق هو معرفة النفس ومراتبها « 1 » .
ومن أن مفتاح هذه المعارف - يعني بها أحوال يوم القيامة - معرفة النفس لأنها المنشأة والموضوعة لأمور الآخرة « 2 » .
فويل لمن أهمل نفسه ، ولم يقرأ كتاب انّيته وصحيفة نفسه ؛ قال - عزّ من قائل - :
« وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها »
« 3 » وقال :
« وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »
« 4 » . وقال :
« وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ »
« 5 » والتحقيق أنّ الكمال الأخروي ليس إلّا من ثمرات هذه النشأة موافقا لقوله تعالى :
« وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى »
« 6 » أي أنّ حقائق ذواتنا
هامش
( 1 ) . الأسفار لصدر المتألهين ، الطبع الاوّل ج 4 ص 173 .
( 2 ) . المصدر ، ج 4 ص 184 .
( 3 ) . الشمس : 11 .
( 4 ) . الحشر : 20 .
( 5 ) . الزمر : 57 ، 56 .
( 6 ) . النجم : 41 .