بأسباب إلهية لا مدخل للعبد فيها ولا اختيار له . ولذا قيل : « كن مع اللّه كما كنت حتى كان معك كما كان » .
وإذا وصل إلى مقام البلوغ وكله اللّه إلى اختياره ، ونبّهه على خيره وشرّه على ألسنة خلفائه الظاهرة والباطنة ، وأعانه على اختياره الخير ، وخذله في اختياره الشرّ . فإن ساعده التوفيق وتداركه جذبة من جذبات الرحمن وهي خير من عبادة الثقلين ، استراح من تعب السلوك ورفع القلم عنه وصار من الشيعة الذين رفع القلم عنهم ؛ وإن وكله اللّه إلى نفسه وخذله باختياره الشقاء التحقق بالشياطين ، وإن وفّقه اللّه للسلوك اليه باختياره الخير والتقوى من الشر فإما أن يسلك بقدم نفسه ويتعب نفسه في السلوك اليه .
وبعبارة أخرى إما أن يعبد اللّه مع بقاء حكم النفس عليه وفي قيود أنانيته ويسمّى تقربه حينئذ تقرب النوافل ؛ وهذا وإن أتعب نفسه في السلوك والعبادة وجاهد غاية المجاهدة لم يكن له شأنيّة المشاهدة والمواصلة وليس له إلا الفرقة والمباعدة . أو يسلك إلى اللّه ويعبد اللّه من غير بقاء حكم النفس وأثرها عليه ويسمّى تقربه بقرب الفرائض ؛ وهذا لخروجه من حدود نفسه وقيودها وارتفاعه عن حجاب إنيّته له شأنيّة المواصلة والمشاهدة ، بل يصير هو الشاهد والمشهود في كل شاهد ومشهود والبصير والمبصر والسميع والمسموع .
والأول وإن كان مستريحا من تعب السلوك ملتذا بلذة الشهود ، والها في المحبوب ليس له كمال مقام الجمع والتجمل بالأعوان والجنود . والثاني وإن كان له جمعية وسعة وتجّمل ليست له لذة المشاهدة والسرور الأتم فهما ناقصان كلّ بوجه . والثالث له الكمال الأتم والسرور الأبهى والجمال الأجمل لجمعه بين كمال الشهود والتجمل بالأعوان والجنود وله الخلافة الكبرى والرياسة العظمى .
إذا عرفت ذلك فقس قوله - تعالى - :
« وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي »
« 1 » إلى قوله - تعالى - :
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
« 2 » ، حتى تعرف مقام محمد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في العبادة والسلوك ؛ ومقام موسى - عليه السلام - وتعرف أن موسى - عليه السلام - سلك بقدم نفسه لا بربّه ، ولذلك كان مستحقا لجواب لن تراني ، وأنّ محمد ( ص ) سار بإسراء ربّه لا بسير نفسه . وانّ محمدا ( ص ) هو السميع لكل
هامش
( 1 ) . الأعراف : 143 .
( 2 ) . الإسراء : 1 .