فنكتفي هيهنا في بيان هذا الوجه بما أوجز وأنعم الشيخ الأكبر في الفص الداودي من فصوص الحكم في تفسير قوله تعالى شأنه :
« وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ »
« 1 » « 2 » ، وأفاد وأجاد الشارح العلامة القيصري في الشرح . فان اخذت الفطانة بيدك تجده كلاما كاملا بعيد الغور جدّا . وكما قال صدر المتألهين آنفا يختصّ بنحو هذا التحقيق الكاملون في الكشف والعرفان ، والراسخون في العلم والايقان . قال الشيخ :
ثم قال ( أي قال اللّه عم نواله ) في حق داود - عليه السلام - فيما أعطاه على طريق الإنعام عليه ، ترجيع الجبال معه التسبيح فتسبّح لتسبيحه ليكون له عملها ، وكذلك الطير .
وقال الشارح القيصري في المقام : « اعلم أن روحه - عليه السلام - ( أي روح داود - عليه السلام - ) لمّا توجه بكليته إلى الحضرة الآلهية بالتسبيح والتحميد انعكس منه النور الإلهي الفائض عليه إلى قواه وأعضائه ، فسبّحت تسبيح الروح بالمتابعة غير التسبيح المخصوص بكل منها ، فكان كلّ ذلك للروح اصالة ، ولغيرها تبعية . ولمّا كانت الجبال الظاهرة والطير المحشورة مثالا للأعضاء والقوى الروحانية والجسمانية ، وصورا ظاهرة في الخارج لهذه الحقائق التي في العالم الانساني ، وكانت الأعضاء والقوى يسبّحن معه بالعشي والإشراق ، حصل ذلك التأثير الروحاني أيضا في روحانية الجبال والطير فسبّحن ذلك التسبيح بعينه ، فكان ذلك التسبيح له - عليه السلام - بالأصالة ولهنّ بالتبعيّة ، كما قال الشاعر :
« فلو قبل مبكاها بكيت صبابة * بلبنى شفيت النفس قبل التندّم
ولكن بكت قبلي فهاج لي البكا * بكاها فقلت الفضل للمتقدم »
انتهى ما افاده العلامة القيصري حول كلام الشيخ في المقام . والشاعر هو عدي بن الرقاع كان في دولة بني أمية . والبيتان من اشعار الحماسة فراجع إلى شرح المرزوقي عليها « 3 » .
تتمة في وجه تسمية النفس الانسانية بالناطقة :
هذا المطلب حرّرناه على الاختصار في النكتة الرابعة والثلاثين وثمانمأة من كتابنا
هامش
( 1 ) . ص 18 .
( 2 ) . فصوص الحكم للشيخ ، ص 18 - 20 .
( 3 ) . شرح المرزوقي ، ط ( مصر ) ، ج 3 ، ص 1290 .