وهكذا قال في الفصّ الإسحاقي في بيان قول الشيخ الأكبر : « فالكل عارف بخلّاقه كشفا وإيضاح برهان » ما هذا لفظه : « ولمّا كان جميع الموجودات حيا عالما بربّه عند أهل الكشف والشهود قال : « فالكل عارف بخلّاقه » ؛ وقوله : « كشفا » ، أي الكلّ يعرفون ربّهم بالكشف الحاصل لروحانيتهم عند الفطرة الأولى ونحن علّمناه كشفا . ولمّا كان الكشف حجة لصاحبه دون غيره ، قال : « وايضاح برهان » ، أي علّمناه برهانا صريحا أيضا . والمراد بالبرهان ما يعطيه العقل المنوّر والشرع المطهّر من الأدلة :
منها قوله :
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
« 1 » . وقوله :
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ »
. والتسبيح لا يكون إلا بعد المعرفة بأنّ له ربّا يربّه صاحب كمالات منزها عن النقائص الكونية ، فنبّه بعرفانهم وبعدم عرفان الثقلين لأن الخطاب للأمة ، وهو - عليه السلام - مبعوث اليهما ، فالجن أيضا داخل في قوله :
« وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ »
« 2 » . وأيضا الجن لا مدخل لهم في غيوب الموجودات لاحتجابهم عن الحقائق كما قال :
« فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ »
« 3 » .
ومنها ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال كان النبي ( ص ) يقول : « إذا وضعت الجنازة فاحتملها الّرجال على أعناقهم فان كانت صالحة قالت لأهلها قدموني قدموني ، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها يا ويلها إلى أين تذهبون بها ؟ يسمع صوتها كل شيء إلّا الإنسان ولو سمع الإنسان لصعق .
وروى الترمذي عن أبي أمامة أن رسول اللّه قال : « فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم » . ثم قال رسول اللّه ( ص ) : « إنّ اللّه وملائكته وأهل السّموات والأرض حتى النّملة في جحرها ، وحتّى الحوت في الماء ليصلّون على معلّمي النّاس الخبر » .
وروى أبو داود والترمذي في باب فضيلة العلم عن أبي الدرداء في حديث طويل :
« وأنّ العالم ليستغفر له من في السّموات ومن في الأرض حتّى الحيتان في الماء » .
وعن سهل بن سعد - رضي اللّه عنه - قال : « قال رسول اللّه ( ص ) : « ما من مسلم
هامش
( 1 ) . الحشر : 2 .
( 2 ) . الإسراء : 45 .
( 3 ) . السبأ : 15 .