بيان : قوله : « ليس لها مقام معلوم في الهوية » . أي ليس لها بحسب الوجود حدّ يقف عنده ، ويعبر عن هذا المعنى بأن النفس لها مقام فوق التجرد ، وفي غرر الفرائد :
« وانها بحت وجود ظل حق * عندي وذا فوق التجرد انطلق »
فتدبر في قوله تعالى :
« قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً
الآية » « 1 » ، وقوله سبحانه :
« وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
الآية » « 2 » ، والقرآن مأدبة آلهية ، وما على تلك المأدبة وهي غير متناهية طعامك فلينظر الإنسان إلى طعامه فالنفس تسع تلك الكلمات الغير المتناهية فلا تقف في حدّ . وانما كان ما على تلك المأدبة غير متناهية لأنها أثر قائلها غير المتناهي وجودا وأثر الشيء شاكلته ، وقال - علت كلماته - :
« قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ »
« 3 » ؛ فذاتك ظرف يتسع ما في تلك المأدبة . وقال امام الموحّدين مولانا الوصي أمير المؤمنين علي عليه السلام :
« كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه إلّا وعاء العلم فانّه يتسع به » ؛ فهذه كلها تدل على أن النفس ليس لها مقام معلوم في الهوية . وقد قال الوصي عليه السلام في وصيّته لابنه محمد : « إعلم أنّ درجات الجنّة على عدد آيات القرآن ، فإذا كان يوم القيامة يقال لقارى القرآن أقرأ وأرق » « 4 » ، فافهم .
قوله : « ولها نشئات سابقة ولاحقة » . أي لها نشئات سابقة بنحو الجمع ، ونشئات لاحقة بنحو الفرق . والمقصود ما بيّنه آخرا في قوله « ان للنفس شئونا وأطوارا كثيرة ولها مع بساطتها أكوان وجودية بعضها قبل الطبيعة وبعضها مع الطبيعة وبعضها بعد الطبيعة » أي النفوس الانسانية موجودة قبل الأبدان بحسب كمال علتها وسببها والسبب الكامل يلزم المسبب معها فالنفس موجودة مع سببها بنحو البساطة والجمع ؛ وكذا هي حادثة بحدوث أبدانها وكائنة معها معية قيومية باذن بارئها عليها ؛ وكذا هي باقية بعد أبدانها الطبيعة لتجرد جواهرها النورية .
قوله : كما قيل : « لقد صار قلبي الخ » . البيت من ترجمان الأشواق للشيخ الأكبر
هامش
( 1 ) . الكهف : 110 .
( 2 ) . لقمان : 28 .
( 3 ) . الإسراء : 84 .
( 4 ) . الوافي ، ط المحشي ، ج 14 ، ص 56 .