كما أن في أدلة تجرد النفس شواهد لنا في ذلك كثيرا ، ونكتفي ها هنا بما نتلوها عليك وهي ما يلي :
الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في رسالته في معرفة النفس الناطقة وأحوالها ، أقام في الفصل الأول منها ثلاثة براهين في اثبات أن جوهر النفس مغائر لجوهر البدن ، ثم استنتج منها أن ذلك الجوهر المغائر لجوهر بدنه لا يمكن أن يكون جسما ولا جسمانيا . وقال في ديباجتها بعد التسمية والتحميد ما هذا لفظه :
« وبعد ، فهذه رسالة حررتها في علم النفس ، وجعلتها ثلاثة فصول :
الفصل الأول في اثبات أن جوهر النفس مغائر لجوهر البدن .
الفصل الثاني في بقاء النفس بعد فناء البدن .
الفصل الثالث في مراتب النفوس في السعادة والشقاوة بعد مفارقة النفس عن البدن .
ثم ألحقت بها خاتمة أذكر فيها العوالم الثلاثة التي هي عالم العقل ، وعالم النفس ، وعالم الجسم ؛ وترتيب الوجود من لدن الحق الأول إلى أقصى مراتب الموجودات على الترتيب النازل من عنده - تعالى - ، ليكون الناظر في هذه الرسالة مطلّعا على جمل من أجناس المخلوقات ، وشطر من أنواعها .
فأهديت هذه الرسالة التي هي مشتملة على أهم المطالب ؛ وهو معرفة الإنسان نفسه وما يؤول إليه حاله بعد الارتقاء .
وأيضا فإن معرفة النفس مرقاة إلى معرفة الرب - تعالى - ، كما أشار إليه قائل الحق بقوله : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » . ولو كان المراد بالنفس في هذا الحديث هو هذا الجسم لكان كل أحد عارفا بربه ، أعني خصوص معرفته ، وليس كذلك .
فهذه الرسالة تهديك إلى الأسرار المخزونة في عالم النفس الذي غفل عنه الدهماء من الناس ، بل أكثر العلماء عنه غافلون ؛ ولهذا أوحي إلى رسول اللّه لما سئل عن حقيقة الروح :
« وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي »
« 1 » ثم قال عقيبه :
« وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا »
« 1 » تنبيها على أكثر الناس عن النفس وحقيقة الروح . فهذا هو الإشارة المختصرة إلى فوائد هذه الرسالة . فلنشرع فيما ذكر من الفصول بتوفيق اللّه وحسن
هامش
( 1 ) . الإسراء : 85 .