يقال له آلة من الآلات .
وفي كتاب الفصل المذكور لقسطا بن لوقا : « ان الكمال يقال على ضربين : فمنه أول ، ومنه ثان . فالكمال الأول في الانسان هو العلوم والصنائع . والكمال الثاني في الانسان هو معالجة ما يعلم من العلوم والصنائع .
ومثال ذلك أن الطبيب يقال إن له كمالا اوّليا يعلم الطب ، فإذا عالج بما يعلم قيل إنّ له كمالا ثانيا للنفس . فالنفس كمال أول لأن النائم - وإن كان لا حسّ له في وقت نومه - فان له النفس الحسّاسة . وكل نوع وكمال فهو نوع ، وكمال الشيء بالنفس نوع .
وكمال الجسم والأجسام صنفان : فمنها ما نوعه فيه طبيعي كالحيوان والنبات والنار والهواء ، وكل ما له حركة ذاتية في نفسه . ومنها ما يكتسب له نوع بالصناعة كالباب والسرير .
فالنفس نوع لجسم طبيعي لأن الجسم ليس من أفعال الصناعة . وقد يخالف النوع الطبيعي النوع الكائن بالصناعة ، لأن النوع الطبيعي جوهر ، والنوع الصناعي عرض ؛ والنفس جوهر لأنها نوع لجسم مركب طبيعي حيّ لا بّد له من غذاء والغذاء يحتاج إلى ضروب من الآلات ، فالنفس كمال أول لجسم آلى » . انتهى ملخصا .
لا يخفى عليك أن ما في الفصل أولا ، هو تعريف الكمال الأول والثاني بمعناهما الأعم على وجه التمثيل والتقريب ؛ ثم سلك الكلام إلى النوع بمعناه الذي أخذ في تحديد النفس فإنه الكمال الذي يحتاج اليه الشيء في وجوده وبقائه ، والطب بكلا الكمالين ليس للطبيب كذلك . وفي ذلك قال الشيخ الرئيس في التعليقات : « وكما أن واجب الوجود يعطي كل شيء ما يحتاج اليه في وجوده وبقائه فكذلك يعطيه ما فوق المحتاج اليه في ذلك : مثلا أن يعطي الانسان الحكمة - والعلم بالهيئة إذ ليس الانسان محتاجا في بقائه ووجوده إلى علم الهيئة .
وقد دلّ القرآن على هذا المعنى حيث يقول :
« رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى »
« 1 » فالهداية هي الكمال الذي لا يحتاج اليه في وجوده وبقائه ، والخلق هو الكمال الذي يحتاج اليه في وجوده وبقائه . وأيضا حيث يقول :
« الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ »
« 2 » . فالحكماء يسّمون ما يحتاج اليه الشيء في وجوده وبقائه الكمال الأول ، وما لا يحتاج اليه في بقائه هو الكمال الثاني « 3 » .
هامش
( 1 ) . طه : 51 .
( 2 ) . الشعراء : 79 .
( 3 ) . التعليقات لابن سينا ، المطبوع بمصر ص 21 و 22 .