تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عين اليقين الملقب بالأنوار والأسرار — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
لأنها استوحشت مخافة أن تنقل إلى ما هو شرّ منه ، وإنما يطلب الموت الموقنون الذين تيقّنوا أنهم ملاقو ربّهم ، وإنهم إليه راجعون ، فيتمنّون الموت تشوقا إلى لقاء اللّه في الدار الآخرة ؛ لكونهم يتولّون اللّه ، ويحبّونه ، كما في قوله تعالى :
إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
« 1 » ، وأولئك هم النفوس الإنسانية الّتي وصلت في حياتها الدنياوية إلى الغبطة العظمى ، فأشرف أحوالها أن تكون عاشقة مشتاقة ، فشوقها يؤدي إلى الطلب السريع ، والسير الحثيث إلى الحقّ ، حتّى إذا أدّت الحركة إلى النيل بطل الطلب ، وصفت البهجة ، وحقّت ، وهو الفناء الّذي يسمى بالولاية ، وإليهم الإشارة بقوله عزّ وجلّ :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
« 2 » .

فصل

وأمّا النفوس الحيوانية ، سواء كانت من نوع الإنسان ، أو أنواع أخرى حيوانية ، طالبة لكمالات وهمية ، وخيرات خيالية ، فهي صنفان : سعيدة ، وشقيّة . فالسعيدة نفوس بشرية ، تتصوّر الحقّ الأوّل تصوّرا مثاليا ، وتتمثل لها الوسائط العقلية بالأمثلة المأخوذة عن المبادئ الجسمانية ، والأفعال الباطنية المقرّبة إليه ، والنيّات الصالحة المزلفة لديه بنظائرها من الأفعال الصادرة من خدّام السلاطين ، وعبيد الملوك ، وتتخيل الغايات الحقيقية ، كالغايات الحسّية ، فكأنهم يعبدون حكاية الحقّ الأوّل ، ويعشقون ذلك ، لا ذاته تعالى ، فلهذا صارت
هامش
( 1 ) - سورة الجمعة ، الآية 6 . ( 2 ) - سورة البقرة ، الآية 165 .