ويؤيّد هذا ما ورد في حديث آخر : « إنّ المسجد ينزوي بالنخامة » « 1 » ، مع أن المحسوس منه لم تتغيّر مساحته أصلا ، فكأنّ المراد أنّ النخامة توجب قلّة توقيره وتعظيمه ؛ لأنّه محلّ عبادة اللّه ، فيجب أن يكون موقّرا مستعظما ، والنخامة فيه تنافي ذلك ، فيقلّ عظم قدره في العقل ، لا في الحسّ ، وهذا وأمثاله ممّا يدركه أهل البصيرة
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
« 2 » .
وصل
ولمّا كان الناس إنّما يكلّمون على قدر عقولهم ، ومقاماتهم ، فما يخاطب به الكلّ يجب أن يكون للكل فيه نصيب ، فالقشرية من الظاهريين لا يدركون إلّا المعاني القشرية ، كما أنّ القشر من الإنسان وهو ما في الإهاب ، والبشرة من البدن ، لا ينال إلّا قشر تلك المعاني ، وهو ما في الجلد والغلاف من السواد والصور ، وأمّا روحها وسرّها وحقيقتها فلا يدركها إلّا أولوا الألباب ، وهم الراسخون في العلم .
وإلى ذلك أشار النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في دعائه لبعض أصحابه ، حيث قال : « اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل » « 3 » ، ولكلّ منهم حظّ ، قلّ أم كثر ، وذوق ، نقص أو كمل ، ولهم درجات في الترقّي إلى أطوارها ، وأغوارها ، وأسرارها ، وأنوارها .
وأمّا البلوغ للاستيفاء ، والوصول إلى الأقصى ، فلا مطمع لأحد فيه ، ولو
هامش
( 1 ) - وسائل الشيعة : 5 : 224 ، ح 6395 ، عن المجازات النبوية ، وفيه : « إن المسجد لينزوي من النخامة » .
( 2 ) - سورة البقرة ، الآية 269 ؛ وسورة آل عمران ، الآية 7 .
( 3 ) - الخرائج والجرائح : 1 : 57 .