الشهوات ، قد اتّخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم ، ويمّموه « 1 » عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم ؛ لا يقطعون أمد غاية عبادته ، ولا يرجع بهم الاستهتار « 2 » بلزوم طاعته ، إلّا إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته .
لم تنقطع أسباب الشفقة منهم ، فينوا في جدّهم « 3 » ، ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم « 4 » ، ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ؛ ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم « 5 » ، ولم يختلفوا في ربّهم باستحواذ الشيطان عليهم ، ولم يفرّقهم سوء التقاطع ، ولا تولّاهم غلّ التحاسد ، ولا أشعبتهم مصارف الريب ، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم « 6 » ، فهم اسراء إيمان لم يفكّهم من ربقته زيغ ، ولا عدول ولا ونىّ ولا فتور ، وليس في أطباق السماء موضع إهاب « 7 » إلّا وعليه ملك ساجد ، أو ساع حافد ؛ يزدادون على طول الطاعة بربّهم علما ، وتزداد عزّة ربّهم في قلوبهم عظما .
هامش
( 1 ) - يمموه : قصدوه .
( 2 ) - هامش النسخة : « استهتر بالأمر : أعجبه وتظاهر به » .
( 3 ) - ونى ، يني : تأنى . فينوا : فيضعفوا .
( 4 ) - وشيك السعي : مقاربه وهينه .
في هامش النسخة : « أي يؤثروا ما قرب السعي في تحصيله على ما يستعدونه من تحصيل السعادة الاخرويّة » .
( 5 ) - أي ولو استعظموا أعمالهم لأذهب خوفهم رجاءهم بها .
( 6 ) - الأخياف : جمع خيف ؛ وهو ما انحدر من سفح الجبل . والمراد هنا سواقط الهمم . وفي هامش النسخة : « أي مختلفاتها . واحده : أخيف » .
( 7 ) - الإهاب : جلد الحيوان .