فصل « 1 » [ 4 ] [ الواجب تعالى واجد كل كمال ومفيضه ]
قال بعض المحقّقين « 2 » ما حاصله أنّه : كما أنّ مفيض الوجود ليس مسلوب الوجود في مرتبة ، فكذلك واهب الكمال لا يجوز أن يكون ممنوّا في حدّ ذاته ، إذ المفيض لا محالة أكرم وأعلى وأمجد من المفاض عليه .
فكما أنّ في الوجود وجودا قائما بالذات ، غير متناه في التأكّد - وإلّا لم يتحقّق وجود بالغير - فكذلك يجب أن يكون في العلم علم متأكّد قائم بذاته ، وفي الاختيار اختيار قائم بذاته ، وفي القدرة قدرة قائمة بذاتها ، وفي الإرادة إرادة قائمة بذاتها ، وفي الحياة حياة قائمة بذاتها ؛ حتّى يصحّ أن يكون هذه الأشياء في شيء لا بذواتها - بل بغيرها - « 3 » .
فإذن : فوق كلّ ذي علم عليم بذاته ، وفوق كلّ ذي قدرة قدير بذاته ، وفوق كلّ ذي سمع سميع بذاته ، وفوق كلّ ذي بصر بصير بذاته - إلى غير ذلك من صفات الكمال .
ويجب أن يكون جميع ذلك واحدا حقيقيّا بالوجود - لامتناع تعدّد الغنيّ بالذات - فهو اللّه - عزّ وجلّ - كما قيل « 4 » : « وجود كلّه ،
هامش
( 1 ) - عين اليقين : 306 .
( 2 ) - راجع المبدأ والمعاد : 72 .
( 3 ) - راجع التعليقات لابن سينا : 52 .
( 4 ) - نسبه صدر المتألهين - قدّس سرّه - في الأسفار ( 6 / 121 ) إلى الفارابي ، ولم أعثر على النص فيما عندي من كتبه ، والأظهر أن المؤلف حكاه عنه اعتمادا على ما أورده استاده - قدس سرهما - ولعل ما أورده صدرا أيضا نقل المعنى .