يبلغ حداً لا تنفع معه شفاعة الشافعين ، فعند ذاك سوف يعيدُ النظر في سيرته الشخصيّة ، ويحاول تطبيق سلوكه على شرائط الشفاعة حتى يستحقّها ، ولا يحرمها .
نعم ، إنّ الاعتقاد بالشفاعة المطلقة ، المحرّرة من كلّ قيد ، من جانب الشفيع والمشفوع له ، هو الذي يوجب التجرّي والتمادي في العصيان . وهذه الشفاعة مرفوضة في منطق العقل والقرآن ، وكأنّ المعترض قد خلط بين الشفاعة المحدودة والشفاعة المطلقة من كل قيد ، ولم يُميز بينهما وبين آثارهما .
فالشفاعة الموجبة للتجرّي ومواصلة العناد والتمرّد ، هي الاعتقاد بأنّ الأنبياء والأولياء سيشفعون في حقّه يوم القيامة على كلّ حال وفي جميع الشرائط وإن فعل ما فعل ، وارتكب ما ارتكب . وعند ذلك سيستمر في عمله الإجرامي إلى آخر حياته رجاءَ تلك الشفاعة التي لا تخضع لضابط ولا قانون ، ولا تقيّد بقيد ولا شرط .
وأمّا الشفاعة التي نطق بها الكتاب وأقرّت بها الأحاديث واعترف بها العقل فهي الشفاعة المحدودة بشرائط في المشفوع له والشافع .
ومجمل تلك الشرائط هو أن لا يقطع جميع علاقات العبودية مع اللَّه ، ولا يفصم وشائجه الروحية مع الشافعين ، ولا يصل تمرّده إلى حدّ القطيعة ونسف الجسور . فالاعتقاد بهذا النوع من الشفاعة مثل الاعتقاد بتأثير التوبة في الغفران ماهية وأثراً .
الشفاعة في الكتاب والسنة — صفحة 42
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٢