تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل — صفحة 661

مساهمون:

ص٦٦١
وإقامة الحجج وجدال أهل الباطل بما يدحض شبهتهم ، وينصر الحق ويظهره على الباطل ، إلى أضعاف أضعاف ذلك من الحكم التي لا يحصيها إلا اللّه . واللّه سبحانه يحبّ ظهور أسمائه وصفاته في الخليقة ، فلو اخترم كلّ من علم أنه يكفر إذا بلغ ، لفات ذلك ، وفواته مناف لكمال تلك الأسماء والصفات ، واقتضائها لآثارها ، وقد تقدم بسط ذلك أتم من هذا . الوجه الأربعون : قوله أنه سبحانه رد الأمر إلى محض مشيئة بقوله :
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ ( 21 )
[ العنكبوت ] وقوله :
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ( 284 )
[ البقرة ] وقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ( 8 )
[ فاطر ] وقوله :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ( 23 )
[ الأنبياء ] فهذا كلّه حقّ ، ولكن أين فيه إبطال حكمته وحمده والغايات المحمودة المطلوبة بفعله ، وأنه لا يفعل شيئا لشيء ، ولا يأمر بشيء لأجل شيء ، ولا سبب لفعله ولا غاية ، أفترى أصحاب الحكمة والتعليل يقولون : إنه لا يفعل بمشيئته ، أو أنه يسأل عما يفعل ؟ بل إنه يفعل بمشيئته مقارنا للحكمة والمصلحة ووضع الأشياء مواضعها ، وأنه يفعل ما يشاء بأسباب وحكم ، ولغايات مطلوبة وعواقب حميدة ، فهم مثبتون لملكه وحمده ، وغيرهم يثبت ملكا بلا حمد أو نوعا من الحمد ، مع هضم الملك ، إذ الربّ تعالى له كمال الملك وكمال الحمد ، فكونه يفعل ما يشاء ، يمنع أن يشاء بأسباب وحكم وغايات ، وأنه لا يشاء إلا ذلك . وأما قوله :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 )
[ الأنبياء ] فهذا لكمال علمه وحكمته ، لا لعدم ذلك ، وأيضا فسياق الآية في معنى آخر ، وهو إبطال إلهية من سواه ، وإثبات الألوهية له وحده ، فإنه سبحانه قال :
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ( 21 ) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 22 ) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 )
[ الأنبياء ] فأين في هذا ما يدلّ
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل — صفحة 661 | ابن قيم الجوزية