جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود معنى ولا يلام جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكرا أبدا .
ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في « إشاراته » : العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسرّ اللّه تعالى في القدر ، وهذا كلام منسلخ من الملل ومتابعة الرسل . وأعرف خلق اللّه به رسله وأنبياؤه وهم أعظم الناس إنكارا للمنكر ، وإنما أرسلوا لإنكار المنكر ، فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر لبصرته بالأمر والقدر ، فإن الأمر يوجب عليه الإنكار والقدر يعينه عليه وينفذه له فيقوم في مقام : إياك نعبد وإياك نستعين وفي مقام : فاعبده وتوكّل عليه ، فنعبده بأمره وقدره ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره ، فهذا حقيقة المعرفة ، وصاحب هذا المقام هو العارف باللّه ، وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم وأما من يقول :
أصبحت منفعلا لما يختاره * مني ففعلي كله طاعات
ويقول : أنا وإن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومشيئته ويقول : العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسرّ اللّه في القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من أتباعهم ، وإنما حكى اللّه سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل فقال تعالى
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا ( 148 )
إلى قوله
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 )
[ الأنعام ] وقال تعالى
وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
إلى قوله
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 35 )
[ النحل ] وقال تعالى
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ( 47 )
[ يس ] وقال تعالى
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ( 20 )
[ الزخرف ] .