إنّما يحاذي بمرآته شطر الحقّ والغنيّ المطلق ، وشأن المرآة المصيقلة الانعكاس بما « 1 » يحاذيها ، فلذلك تجلّى في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ذات الحق وصفاته وافعاله جميعا فوجهه وجه اللّه « فمن رآني رأى الحق » ويده يد اللّه
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
« 2 » وكلامه كلام اللّه
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 3 » وفعله فعل اللّه
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 4 » فباللّه يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشي ، فهو وجه اللّه وعينه ويده ولسانه المعبّر عنه وجنبه - إلى غير ذلك ، وهو العبد المحض الّذي قد طهّره اللّه من كلّ رجس أي من كلّ ما يشينه ، فإنّ الرّجس : القذر « 5 » كما حكى الفرّاء ؛ ولذلك اختار نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله تلك المنزلة كما في الأخبار فقد ورد : « عن ابن عباس قال : بينما رسول صلّى اللّه عليه وآله ومعه جبرئيل يناجيه ، إذا انشقّ أفق السّماء فأقبل جبرئيل يتضاءل « 6 » ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض ، فإذا ملك قد مثّل بين يدي « 7 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال : « يا محمّد ! انّ ربّك يقرئك السّلام ويخيّرك بين أن تكون نبيّا ملكا وبين أن تكون نبيّا عبدا » قال عليه السلام : فأشار جبرئيل إليّ بيده :
ان تواضع . فعرفت أنّه لي ناصح ، فقلت : عبدا نبيّا فعرج ذلك الملك إلى السّماء »
هامش
( 1 ) . بما : ممّا م .
( 2 ) . الفتح : 10 .
( 3 ) . النجم : 4 .
( 4 ) . الأنفال : 17 .
( 5 ) . الفتوحات ، ج 1 ، ص 331 عن الفراء والفرّاء ، هو أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء المتوفي في 207 ه وله « معاني القرآن » المطبوع ( راجع : معاني القرآن للفرّاء ) .
( 6 ) . يتضاءل : التضاؤل : الحركة نحو الصغر والضعف كالتكاثف ( منه - هامش نسخة م ، ص 79 ) ؛ جبرئيل : الظاهر أن يكون هذا الملك إسرافيل ( كذا أفيد وظاهرا الإفادة من الشّارح . هامش نسخة م ، ص 79 ) .
( 7 ) . يدي : - م د .