نفسه أنه كيف ينبغي أن يخلق العالم حتّى يتصور « 1 » الأشياء في ذهنه ويروّي « 2 » في إتقان صنعه ثم شرع في خلق الخلائق واحدا بعد واحد كما روّى وفكر أوّلا ، تعالى عن ذلك ؛ إذ الرويّة : إمّا أن يكون نفسه تعالى فالرويّة لا يروّي والّا لزم التّسلسل أو غيره : فإمّا لا من شيء فيكون من الأوائل والباري سبحانه أوّل الأوائل فكيف يحتاج إلى ما خلق ؛ وإمّا أن يكون من شيء فاللّه سبحانه قبل ذلك الشيء وقبل الرويّة الّتي أخذت من ذلك الشيء .
وكذا إنشاء الأشياء وابتدأها بلا قريحة غريزة ، أي بلا استنباط طبيعة أضمر على ذلك الاستنباط وسنح بضميره « 3 » تعالى ؛ إذ الاستنباط انّما يكون بالقضايا أو النتائج والأول في الفكر ، والثاني في الحدس ، وكلّ ذلك انّما يكون من الأمور المأخوذة من الحواس .
وبالجملة الفكر والرويّة قبل الفعل انّما يكون لضعف قوّة الفاعل على أن يرى الشيء قبل كونه ، فيحتاج إلى أن يراه قبل فعله لخوفه من أن يكون الشيء على خلاف ما ينبغي أن يكون ، والباري تعالى فاعل بأنّه ونفسه الّتي هو نور الأنوار فلا يحتاج إلى أن يسبق في علمه وحكمته أنّه كيف ينبغي أن يكون ، لأنّه تامّ وفوق التّمام والصّادر من الشيء الّذي فوق التمام في غاية التماميّة .
ثم اعلم أنه أبطل عليه السلام بذلك ، القول ب « العلم الإجمالي » ، والعلم بالصّور وما يشبه ذلك .
وكذلك لم ينشأ الأشياء المحكمة المتقنة في غاية الإحكام والإتقان من تجربة استفادها من مرور الحوادث الزّمانية ؛ فانّه إمّا أن يكون تلك الحوادث بلا أوّل ،
هامش
( 1 ) . يتصوّر : تصوّر م .
( 2 ) . يروّي : روى م د .
( 3 ) . بضميره : لضميره د .