بوجود كلّ ما علم إمكانه وقضى بفعليّته ، فحصل مأموره في عالم الشّهود على وفق علمه وقضائه .
وهذا الّذي قلنا ، انما هي في كليّات الأشياء وطبائعها ، وأمّا الأشخاص فلا حصر لها ولا ينتهي تكوينها في النشأة الأولى ولا الدّار الأخرى بل التكوين كما يستمرّ في الدّار الدّنيا ، كذلك لا ينقطع في الدّار الآخرة ألا ترى انّ ما أكل أهل الجنّة وما شربوا يخلف مكانه في ساعته ولا يقطع عنهم وقال سبحانه :
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ
« 1 » وقال جلّ جلاله
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ
« 2 » .
[ انّه تعالى خص نفسه بالربوبيّة والوحدانيّة والثناء ]
توحّد بالرّبوبيّة ، وخصّ نفسه بالوحدانيّة ، واستخلص المجد والثّناء ، فتمجّد بالتّمجيد وتحمّد بالتّحميد ، وعلا عن اتّخاذ الأبناء ، وتطهّر وتقدّس عن ملابسة النّساء ، وعزّ وجلّ عن مجاورة الشّركاء
ذكر عليه السّلام ثلاث صفات ، ثمّ نشر نتائجها على غير ترتيب اللّف : فقوله :
« تمجّد » - إلى قوله : « بالتحميد » نتيجة لقوله : « استخلص » ؛ وقوله : « وعلا » - إلى قوله : « ملابسة النّساء » نتيجة لقوله : « خصّ » ؛ وقوله : « وعزّ » - إلى آخره ، نتيجة لقوله : « توحّد » .
بيان ذلك : انه « توحّد بالرّبوبيّة » أي جعلها لنفسه خاصّة من دون أن يجاوره في ذلك شريك بأن يكون معه ربّ سواه أو يكون معه إله غيره ، بل الآلهة المعبودة دونه إنّما هي بالكذب والفرية ، والأرباب الّتي سواه هالكة وباطلة .
« وخصّ نفسه بالوحدانيّة » بأن لا يجانسه غيره ولا يماثله أحد ولا يشابهه شيء فهو
هامش
( 1 ) . ق : 35 .
( 2 ) . الواقعة : 32 .