عالم التضادّ و التزاحم و يلزمه الدثور و الانقضاء ، فكذا كلّ ما يوجد فيه أو تعلّق به يلحقه الزوال و الشتات و الانقطاع .
و أوسطها عالم الصور المقدارية المجرّدة عن المادّة القابلة للمتضادّات ، الحاملة للإمكانات و الاستعدادات .
و أعلاها عالم الصور العقلية و المثل الإلهية ، فالأولى دار الدنيا التي لا قرار لها و لا بقاء . و الأخيران - كلاهما - باقيان لا زوال و لا انقطاع لهما . أحدهما منقسم إلى جنّة السعداء و هم أصحاب اليمين ، و إلى جحيم الأشقياء و هم أصحاب الشمال .
و الآخر عالم القدس و جنّة السابقين المقرّبين و مقصد الملائكة المهيمنين العلّيين .
الحادي عشر : أنّ الإنسان - من جملة أنواع الخلائق - مختصّ بأنّه قد تكون لواحد منه أكوان متعدّدة مع بقاء تشخّصه بعضها قبل بعض ؛ فإنّ الإنسان الواحد له من مبدأ طفوليّته كون طبيعي و هو بحسبه إنسان بشري ثمّ يتدرّج في هذا الوجود و يتصفّى و يتلطّف ، حتى يحصل له كون أخرويّ نفساني ، و له أعضاء نفسانيّة و هو الإنسان الثاني ، ثمّ قد ينتقل من هذا الكون ، و يحصل له كون عقلي و هو بحسبه إنسان عقلي ، و له أعضاء عقلية و يقال له الإنسان الثالث ، كما ذكره معلّم الفلاسفة في كتاب « أثولوجيا » .
و اعلم أنّ هذين الكونين كما يوجدان له بعد الكون الطبيعي ، كذلك قد حصلا له قبل هذا الحدوث ، فإنّ أفلاطون الإلهيّ أثبت للنفوس الإنسانية كونا عقليا قبل حدوث هذا البدن ، و كذا أثبت في شريعتنا الحقّة لأفراد البشر كينونة جزئيّة متميّزة سابقة على هذا الوجود الطبيعي ، كما أشار إليه قوله تعالى :
« وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ . . . »
[ 1 ] و عن أئمّتنا المعصومين - سلام اللّه عليهم - أحاديث كثيرة دالّة على هذا المعنى تذكر أنّ أرواحهم كانت مخلوقة من طينة علّيّين قبل خلق السماوات و الأرضين ، و أنّ أبدانهم مخلوقة من دون تلك الطينة ، و كذا أرواح شيعتهم مخلوقة من
هامش
[ 1 ] . الأعراف ( 7 ) الآية 172 .