ويجوز أن يقول : ليس على الفقراء زكاة ، ولا يجوز أن يقال : ليس عليهم إيمان ، فالأعمال شرائع الإيمان لا من الإيمان ؛ لأن الإيمان تصديق والأعمال ليست من التصديق في شيء ، وقال الشافعي ، رحمه الله تعالى : العمل من الإيمان ، وكذا قال : الإيمان يزيد وينقص ، واحتج بقوله :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً
[ الأنفال : 2 ] .
ونحن نقول : معنى الإيمان هاهنا التصديق إيمانا أي تصديقا ، فهذا القول يؤدى إلى إبطال خطاب الله تعالى ، لأن الله تعالى إنما خاطب بالعمل من علم إيمانه حيث قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
إلى آخره [ المائدة : 6 ] .
فلما كان الوضوء والصلاة والزكاة من الإيمان يدخل في خطاب الإيمان ويبطل خطاب الأمر والعمل ويتوجه عليه خطاب الأمر بالعمل بعد الموت ، والموت قاطع للعمل يدل عليه أن الله تعالى شرط العمل الصالح مع الإيمان وأعطى الثواب بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ البقرة : 277 ] . وقال :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً
[ 219 ] [ مريم : 60 ] .
ويدل عليه أن الإيمان محلّه القلب والعمل محلّه الجوارح فمن جعل أحدهما من الآخر فقد أبعد النجعة ؛ لأنه فوّت محله
كَفى بِهِ شَهِيداً
[ الأحقاف : 8 ] . وقوله : إن الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أن محمدا رسول الله فلم يفرض الله الأعمال بذلك إلى أحد ، ثم بعده الأعمال وليس به مفروض موصول مع الإيمان ومن لم يرها فرضا كان فاسقا وجبريا ومباحيّا .
ومن قال : لا أعرف أنّ الله تعالى فرض عليّ الصلاة والصيام والزكاة والحج كفر ؛ لأن الفرض منصوص عليه ، قال الله تعالى :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
[ البقرة :
43 ] . وإن قال : أؤمن بهذه الآية ولا أعلم تأويلها ولا تفسيرها لا يكفر ؛ لأنه صدق بالتنزيل وإن كان مخطئا في التأويل .
وعلى هذا دلائل كثيرة بالكتاب والخبر والأحكام والشواهد ؛ أمّا الكتاب قوله تعالى :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ
ولم يقل اعملوا لله ولرسوله وقال تعالى :
آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي
ولم يذكر العمل ، وأما الخبر : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لأبى الدرداء : « اذهب وناد من قال : لا إله إلّا الله خالصا مخلصا دخل الجنة » .