فقد قضاه على ما جرى في الأزل فالتغيير للمقضى عليه لا القضاء ، وقد بينا الاختلاف في تفسير المكتوب في اللوح ، ولا خلاف أن الكائن مكتوب كما قيل في الخبر : لما خلق الله القلم أمره أن يكتب ، قال : وما أكتب ؟ قال : ما هو كائن إلى يوم القيامة ؛ لقوله تعالى :
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ
[ القمر : 52 ، 53 ] . ونؤمن باللوح « 1 » والقلم وبجميع ما فيه قد رقم ، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه ، ولو اجتمعوا كلهم على ما لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه [ 174 ] كائنا لم يقدروا عليه ، قد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه ، وما أصابه لم يكن ليخطئه .
وعلى العبد أن يعلم أن الله تعالى قد سبق علمه في كل كائن من خلقه ، وقدر ذلك بمشيئته تقديرا محكما مبرما ليس فيه ناقص ، ولا معقب ، ولا مزيل ولا مغير ، ولا محول ، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه ، وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته كما قال الله تعالى :
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً
[ الأحزاب : 38 ] .
وقوله تعالى :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
[ الفرقان : 2 ] . فويل لمن صار قلبه في القدر قلبا سقيما [ . . . . . ] « 2 » من يوهمه في فحص الغيب سرا كتيما وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما ، وطوبى لمن كان قلبه سليما وقصده بتقدير الرتب عليما ولم يقع في علم الغيب حتى صار أجرهم عظيما .
* * *
هامش
( 1 ) هذه العبارة من أول : « ونؤمن باللوح والقلم » إلى قوله : « وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما » هي عبارة الطحاوي رحمه الله .
( 2 ) ما بين المعقوفين غير واضح بالمخطوط .