16 - باب في نفى المماثلة عن الله « 1 »
وما التّشبيه للرّحمن وجها * فصن عن ذاك أصناف الأيالى « 2 »
واعلم أنّ الله تعالى لا يشبهه شيء كما وصف نفسه :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
.
أي ليس مثله شيء ، كما لا يشبه النّجار الباب ، والإسكاف الخف ، والكوّان الكون ، والعامل من المخلوق عمله ، فكذا الخالق لا يشبه خلقه ، ومن شبّه الخالق إلى المخلوقات كانت مشبهة ملعونة مخذولة ، لأن الله تعالى لو كان يشبه الخلق يلزم حدوثه أو قدم العالم كلاهما يفنيان ولئن سمّيت تكون مشبهين هما متماثلان ، وإنّما يثبت المماثلة بين الشيئين إذا ثبت المماثلة بين الشيئين « 3 » [ 131 ] بعد استوائهما في الدرجة ، إما من كل وجه أو من وجه دون وجه ، تعالى الله عن المشابهة والمماثلة بينه وبين خلقه ، والمساواة بينه وبين مصنوعاته لقوله تعالى :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
[ الإخلاص : 4 ] .
فثبت أن البارئ لا يشبه خلقه ؛ لأن للخلق صورة وألوانا وجسما وعرضا ، فلا بد للصورة واللون أن يكون لها مصوّرا وملوّنا ومجسّما أو صانعا ، فالصانع منزّه عن أن يكون موصوفا بصورة تعالى الله عز وجل عن أوصاف عبيده ، وتقدس عن أحوال خلقه دلالته أنّ الصّور مختلفة واجتماعها عليه مستحيل ، وليس البعض أولى من البعض ، فلو اختص بشيء منها لكان بتخصيص ، وهو من أمارات الحدث تعالى الله عن ذلك .
وكذا هذا الاعتبار في الألوان والطعم والروائح والحرارة والبرودة والرّطوبة واليبوسة ؛ لأن الصور تنشأ عن التركب والألوان والطعم والرّوائح ، وعن الطبائع الأربعة فهن أعراض تحل في الجسم والجواهر ، نفينا كونه جوهرا وجسما ، نفينا كونه محلا
هامش
( 1 ) هذا عنوان من عندنا كما أشرنا في المقدمة .
( 2 ) سبق ذكر هذا البيت في الباب السابق ولكن المؤلف كرره هنا لبيان أنه لم يشرح سابقا وأن بداية شرحه في هذا الباب .
والأيالى : جمع آل ، وهو المرجع ، وآل يؤل من الإيالة وهي السياسة .
( 3 ) وهذا هو منهج القرآن الكريم في القياس والتمثيل فإن الله سوّى بين كل مثلين ، وفرق بين كل ضدين .