فإن قال [ 99 ] قائل : القرآن هو الّذي جاء به إلى محمد ، والّذي في المصحف مكتوب والّذي نحن نقرأه .
فقل : قد بيّنا أن المسموع ، والمكتوب ، والقراءة ، دلالات عليه ، ثم إن الله تعالى متكلم بكلام أزلي « 1 » ، قائم بذاته ، ليس بصوت محدث من انصكاك هواء أو اصطكاك أجرام ، ولا بحد ينقطع بإطباق حرف وتحريك لسان ، وقد قال بلا هجاء بعد هجاء ، وبلا حرف بعد حرف ، وبلا تعليم بعد تعليم ، وبلا نغمة بعد نغمة ، وبلا صوت بعد صوت ، وبلا وقت بعد وقت .
وكلام الله تعالى ليس من جنس الحروف والهجاءات ، والنغمة والأصوات بل هو صفة أزلية « 2 » منافية للسكوت والآفات والخرس ، والله متكلم بهذه الصفة ، والحروف ،
هامش
- قلت : وأخرجه أبو نعيم في الحلية ( 1 / 166 : 168 ) . من حديث أبي ذر . من طريقين عن إبراهيم بن يحيى بهذا الإسناد . وأخرجه الطبراني مختصرا في الكبير ( 1651 ) . جميعا من طريق إبراهيم .
وهذا إسناد ضعيف جدا لأجل إبراهيم هذا . قال الذهبي في ميزانه : إبراهيم بن هشام أحد المتروكين الذين وثقهم ابن حبان فلم يصب . وقال ابن الجوزي : قال أبو زرعة : كذاب .
( 1 ) كلام الله قديم النوع حادث الآحاد وأنه لم يزل يتكلم ولا يزال يتكلم بما شاء ، إذا شاء ، كيف شاء ، وأنه يتكلم بحرف وصوت بكلام يسمعه من شاء من خلقه ، سمعه موسى عليه السلام من الله من غير واسطة ومن أذن له من ملائكته ورسله ويكلم المؤمنين ويكلمونه في الآخرة . والله أعلم .
( 2 ) واعلم أن كلام الله سبحانه وتعالى أنواع : بواسطة وبغير واسطة وكونى قدرى ، وديني شرعي .
أما ما كان بلا واسطة فكلامه لموسى ولآدم وحواء وجبريل .
وأما ما كان بواسطة إما بالوحي إلى الأشياء وإما بإرساله إليهم رسولا يكلمهم من أمره بما شاء .
وأما الكوني القدري فهو الّذي توجد به الأشياء كقوله تعالى :إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وأما الديني الشرعي كقوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وقوله :وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ. والشرعي هو الّذي فيه الكتب المنزلة على رسل الله عليهم الصلاة والسلام ، وأعظمها القرآن العظيم وهو سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات .
منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ، وأن الله تعالى تكلم به حقيقة ، ولا يجوز إطلاق القول بأنه عبارة عن كلام الله كما هو قول الأشاعرة ، ولا إطلاق قول إنه حكاية كما هو قول الكلابية ، -