واليسار ، وبنفي هذه الجهات لا ينتفى وجود شيء وليس بقابل للجهات ، والله تعالى منزّه عن الجهات والمكان ، ولا ينتفى بنفي الجهات ، فهذه الجهات حادثة ، وهو الّذي خلقها وأحدثها فكان هو في الأول ، ولم يكن هذه الجهات الست فلو صار مختصا بجهة بعد خلقه لكان بتخصيص قبله ، وذلك باطل ؛ لأن القديم لا اختصاص له ببعض الجهات دون البعض فمن وجد في جهة بعينها فلا بد له من مخصّص فإنّ إثبات الجهات جمع متناقض ، وتعيين جهة منها نفى مساواة غيرها إياها بدون تخصيص باطل .
والقول بتخصيص مخصص محال ، وكذا لو كان فوق العالم أو بجهة منه لكان محاذيا له ، وكل محل جسم إما أن يكون مثله ، أو أكبر منه ، أو أصغر منه ، وكل ذلك تقدير يحتاج إلى مقدر ، تعالى الله عن ذلك .
وأما رفع الأيدي إلى السماء عند الدعاء ، فإنها قبلة الدعاء « 1 » ، كالتوجه إلى القبلة في الصلاة ، ووضع الجبهة على الأرض للسجدة ، وإن لم يكن هو تعالى في الكعبة معنا ، ولا تحت الأرض .
وقد اختلفوا أربعة من أهل الأهواء : فالمشبهة [ 80 ] والكرامية قالتا : العرش له مكان .
وقالت المعتزلة والقدرية : إن الله تعالى في كل مكان . واحتجتا بقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
[ الزخرف : 84 ] .
قلنا : لا حجة لكم في الآية ، ولكن المراد منها ظهور آثار الألوهية فيهما ، ونفوذ الألوهية في السماء والأرض أي نفوذ أمره وحكمه في أهل السماء والأرض ، ليس المراد
هامش
- مخبرا عن فرعون :فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى[ القصص : 38 ] . انظر معارج القبول بتصرف ( 1 / 212 : 147 ) فراجع ففيه ما يكفى لسد أفواه نفاة العلو ، والله تعالى أعلم .
( 1 ) قال شارح الطحاوية علي بن أبي العز : وأجيب عن هذا الاعتراض من وجوه : أحدها : أن قولكم : إن السماء قبلة الدعاء : لم يقله أحد من سلف الأمة ، ولا أنزل الله به من سلطان ، وهذا من الأمور الشرعية الدينية ، فلا يجوز أن يخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها .
الثاني : أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يستقبل القبلة في دعائه .
وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسدها من نقض ، فإن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذل له ، لا بأن يميل إليه إذ هو تحته . هذا لا يخطر في قلب ساجد . انتهى . شرح أصول العقيدة الإسلامية لعلي بن أبي العز الأذرعى ( ص 119 ) .