ثم الأعمال ثلاثة : فريضة ، وفضيلة ، ومعصية « 1 » ؛ فالفريضة بأمر الله تعالى ومشيئته ، وإرادته ، ومحبته ، ورضاه ، وقضاه ، وحكمه ، وتقديره ، وتخليقه وتوفيقه .
والفضيلة كذلك إلا أنها ليست بأمره والمعصية ليست بأمره ومحبته وتوفيقه ورضاه ، بل تنهى عنها لكنها بمشيئته وإرادته ، وتقديره ، وتخليقه ، وخذلانه ، وقضائه ، ولأن رضاه ومحبته إلى كون الشيء مستحسنا عنده ، وذلك يليق بالطاعات دون المعاصي .
والعبد مخاطب بمراعاة الأمر والنهى ، وبالنظر إلى القضاء والقدر فيحصل له الخوف والرجاء والاجتهاد [ 55 ] والرغبة وهو غير مسؤول في جانب القضاء ليثاب ويعاقب ، بل هو مسؤول في جانب الأمر والنهى .
وليس للعبد أن يقول عاذرا نفسه بأن القضاء والقدر هكذا أجرى عليّ فآذانى ، بل العبد ملزم بمراعاة الأمر والنهى فيقال له : إنك علمت لله تعالى الربوبية ، وصدقته أن القضاء والقدر له فهلا سلمت له الأمر والنهى ؟ .
فكما عرفت أن القضاء والقدر كذلك الأمر ثم من هدى فمنه فضل ، ومن خذل وحرم فمنه عدل وفضل .
فالفضل والعدل صفاته ، فمن أعطاه الهدى فقد عامله بالفضل ، ومن حرمه فقد عامله بالعدل ، ولا يوصف بالجور والخطأ ، إنما يظهر من المأمور لا من الآمر ، والله تعالى ليس بمأمور بل هو آمر فمنع التوفيق ليس بعذر للعبد ؛ لأنه عادل في صنعه ، متفضل في إعطائه لكل وليه ، وليس للعبد اعتراض ولا منه مهرب ، قال الله تعالى :
قُلْ كُلٌّ مِنْ
هامش
( 1 ) قوله : « ثم الأعمال ثلاثة : فريضة وفضيلة ومعصية » . المؤلف يشير إلى الحكم الشرعي وهو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الاقتضاء أو التخيير أو الوضع . فالاقتضاء هو : طلب ترك إما جازما أو غير جازم ، وهو أمر الله الّذي يمدح فاعله ويذم تاركه ، ويكفر منكره ، وعليه الثواب أو العقاب .
ومعنى التخيير هو : جواز الترك أو الفعل مع المساواة بين الفعل وعدمه ، ولم يأمر بها الله ، ولم ينه عنها ، وهو لا يستوجب مدحا ولا ذما ولا لوما ولا عتابا ولم يدخل في مسمى التكليف إلا تغليبا .
أما الوضع فهو : وضع شيء لشيء آخر ليكون سببا له ، أو شرطا ، أو مانعا منه ، فمنه ما هو في استطاعة المكلف كالسفر في إباحة الفطر وكالربط بين الطهارة وصحة الصلاة ، ومنه ما ليس في قدرة المكلف مثل : زوال الشمس بالنسبة لوجوب الصلاة .