تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح المقاصد — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
إلى أن العقاب بعد التوبة ظلم . لأن من بالغ في الاعتذار إلى من أساء إليه ، سقط ذنبه . ولأن التكليف باق ، وهو تعريض للثواب . ولا يتصور إلا بسقوط العقاب . ولا طريق سوى التوبة . وضعفه ظاهر . ثم سقوط العقوبة عند أكثر المعتزلة بنفس التوبة . وعند بعضهم بكثرة ثوابها . وعندنا بمحض الكرم . والتوبة الصحيحة عبادة لا يبطل ثوابها بمعاودة الذنب . والتوبة ثانيا عبادة أخرى . لا نزاع في وجوب التوبة . أما عندنا فسمعا لقوله تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
« 1 » .
تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
« 2 » . ونحو ذلك . وأما عند المعتزلة فعقلا لما فيها من دفع ضرر العقاب . ولما أن الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح . وهذا يتناول الصغائر أيضا ، فيكون حجة على البهشمية القائلين بوجوب التوبة عن الصغائر سمعا لا عقلا ، لسقوط عقوبتها . ثم المصرح في كلام المعتزلة أن وجوب التوبة على الفور حتى يلزمه بتأخير ساعة إثم آخر يجب التوبة عنه ، وهلم جرا . حتى ذكروا أن بتأخير التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة تكون له كبيرتان : المعصية ، وترك التوبة . وساعتين أربع الأوليان ، وترك التوبة عن كل منهما . وثلاث ساعات ثمان ، وهكذا . وأما قبول التوبة ، فلا يجب عندنا إذ لا وجوب على اللّه تعالى . وهل ثبت سمعا ووعدا ؟ . قال إمام الحرمين : نعم ، بدليل ظني ، إذ لم يثبت في ذلك نص قاطع لا يحتمل التأويل . وعند المعتزلة يجب ، حتى قالوا : إن العقاب بعد التوبة ظلم . لكن بمقتضى الجود على رأي البغدادية ، وبمقتضى العدل والحكمة على رأي الجمهور . واحتجوا بأن العاصي قد بذل وسعه في التلافي ، فيسقط عقابه ، كمن بالغ في الاعتذار إلى من أساء إليه سقط ذمه بالضرورة ، وبأن التكليف باق ، وهو
هامش
( 1 ) سورة النور آية رقم 31 . ( 2 ) سورة التحريم آية رقم 8 .