تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح المقاصد — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩

العقلي أيضا لأنه مخالف لحكمة التفرقة بين من أحسن غاية الإحسان ومن أساء غاية الإساءة وضعفه ظاهر . واختلفوا في العفو عن الكبائر بدون التوبة . فجوزه الأصحاب ، بل أثبتوه خلافا للمعتزلة حيث منعوه سمعا وإن جاز عقلا عند الأكثرين منهم ، حتى صرح بعض المتأخرين منهم بأن القول بعدم حسن العفو عن المستحق للعقاب عقلا قول أبي القاسم الكعبي . لنا على الجواز أن العقاب حقه فيحسن إسقاطه مع أن فيه نفعا للعبد من غير ضرر لأحد ، وعلى الوقوع الآيات والأحاديث الناطقة بالعفو والغفران : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ « 1 » أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ « 2 » إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً « 3 » إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ « 4 » وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ « 5 » وفي الأحاديث كثرة . ومعنى العفو والغفران ترك عقوبة المجرم والستر عليه بعدم المؤاخذة لا يقال : يجوز حمل النصوص على العفو عن الصغائر ، أو عن الكبائر بعد التوبة ، أو على تأخير العقوبات المستحقة ، أو على عدم شرع الحدود في عامة المعاصي ، أو على ترك وضع الآصار عليهم من التكاليف المهلكة كما على الأمم السالفة ، أو على ترك ما فعل ببعض الأمم من المسخ ، وكتبه الآثام على الجباه ، ونحو ذلك بما يفضحهم في الدنيا ، لأنا نقول : هذا مع كونه عدولا عن الظاهر بلا دليل وتقييد للإطلاق بلا قرينة ، وتخصيصا للعام بلا مخصص ، ومخالفة لأقاويل من يعتد به من المفسرين بلا ضرورة وتفريقا بين الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا المعنى بلا فارق مما لا يكاد يصح في بعض الآيات كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ . . « 6 » الآية . فإن المغفرة بالتوبة تعم الشرك وما دونه . فلا تصح التفرقة بإثباتها لما دونه .

هامش
( 1 ) سورة الشورى آية رقم 25 . ( 2 ) سورة المائدة آية رقم 15 . ( 3 ) سورة الزمر آية رقم 53 . ( 4 ) سورة النساء آية رقم 48 ، 116 . ( 5 ) سورة الرعد آية رقم 6 . ( 6 ) سورة النساء آية رقم 48 ، 116 .