تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح المقاصد — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
الأول : أن وجوب المعرفة فرع إمكان إيجابها ، وهو ممنوع لأنه إن كان للعارف كان تكليفا بتحصيل الحاصل وهو محال ، وإن كان لغيره كان تكليفا للغافل « 1 » وهو باطل . والجواب أن إمكانه ضروري ، والسند مدفوع بأن الغافل من لم يبلغه الخطاب أو بلغه ولم يفهمه ، لا من لم يكن عارفا بما كلف بمعرفته ، وتحقيقه . إن المكلف بمعرفة أن للعالم صانعا قديما متصفا بالعلم والقدرة مثلا يكون عارفا بمفهومات هذه الألفاظ ، مكلفا بتحصيل هذا التصديق ، وتصور تلك المفهومات ، بقدر الطاقة البشرية . الثاني : أنا لا نسلم قيام الدليل على وجوب المعرفة ، أما النص مثل قوله تعالى :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
« 2 » . . . فلأنه ليس بقطعي الدلالة إذ الأمر قد يكون لا للوجوب ، وأما الإجماع فلأنه ليس قطعي السند « 3 » إذ لم ينقل بطريق التواتر ، بل غايته الآحاد ، فللخصم أن يمنعه بل يدعي الإجماع على أنه يكفي التصديق ، علما كان أو ظنا أو تقليدا ، فإن الصحابة والتابعين رضي اللّه تعالى عنهم كانوا يكتفون من العوام بالتقليد الانقياد ، ولا يكلفونهم التحقيق والاستدلال : والجواب : أن الظن كاف في الوجوب الشرعي ، على أن الإجماع عليه متواتر إذ بلغ ناقلوه في الكثرة حدا يمتنع تواطؤهم به على الكذب ، فيفيد القطع ، وما ذكر من الإجماع على الاكتفاء بالتقليد فليس كذلك ، وإنما هو اكتفاء بالمعرفة الحاصلة من الأدلة الإجمالية ، على ما أشير إليه بقوله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
« 4 » . من غير تلخيص العبارة في ترتيب المقدمات ، وتحقيق شرائط الإنتاج ، وتحرير المطالب بأدلتها ، وتقرير الشبه بأجوبتها ، على أنه لو
هامش
( 1 ) في ( ب ) للعاقل بدلا من الغافل . ( 2 ) سورة محمد آية رقم 9 . ( 3 ) سند فلان سند أي معتمد ، وسند إلى الشيء من باب دخل ، واستند إليه بمعنى ، وأسند غيره . والإسناد في الحديث رفعه إلى قائله . ( 4 ) سورة الزمر آية رقم 38 .
شرح المقاصد — صفحة 265 | التفتازاني