ولنرجع بعد هذه المقدمة إلى شرح كلام المؤلف ، فهو يقول لهؤلاء النافين لاستوائه تعالى على العرش : أنتم توافقوننا على أن اللّه كان ولم يكن معه شيء ، ثم خلق هذه الموجودات الحادثة ، فأين خلقها ؟ هل خلقها خارج ذاته ، فهي مباينة له منفصلة عنه أم خلقها داخل ذاته ، بحيث تكون حالته فيه ، لا بد لكم من القول بأحد هذين القولين ما دمتم تعتقدون أن هذه الموجودات هي غيره ، فإن كان موجودين إذا نسب أحدهما إلى الآخر ، فأما أن يكون داخلا فيه أو خارجا عنه وليس هناك قسم ثالث الا إذا قلتم انها عينه ، وأنه ليس هناك موجودان أحدهما خالق والآخر مخلوق ، فلا بد لكم من أحدى هذه الخصال الثلاث ، أما أن تقولوا انها خارجة عنه ، أو تقولوا انها حالة فيه ، أو تقولوا أنها عينه ، ودعوكم من هذا الروغان ، فإنها قسمة حاضرة تقتضيها ضرورة العقل ، ولا يجد المصنف محيصا عنها .
ولهذا ذهب ابن عربي واتباعه من أصحاب مذهب الوحدة إلى القسم الثالث ، وهو ان اللّه عز وجل هو عين هذه الأكوان ، وليس هناك مباينة أصلا بين وجوده ووجودها ، وليس هو مجانبا لها ، بل هو هذا الوجود بعينه وعيانه .
ان لم يكن فوق الخلائق ربها * فالقول هذا القول في الميزان
إذ ليس يعقل بعد الا أنه * قد حل فيها وهي كالابدان
والروح ذات الحق جل جلاله * حلت بها كمقالة النصراني
فأحكم على من قال ليس بخارج * عنها ولا فيها بحكم بيان
بخلافه الوحيين والاجماع والعق * ل الصريح وفطرة الرحمن
فعليه أوقع حد معدوم وذا * حد المحال بغير ما فرقان
الشرح : بعد ما بين المؤلف أن النسبة بين اللّه عز وجل وبين هذه الموجودات لا يمكن أن تخرج عن هذه الصور الثلاث ، أما الانفصال والمباينة ، وأما الحلول والمداخلة ، واما نفي الغيرية وابطال الاثنينية بينهما ، والقول بأن وجودهما واحد