قال تعالى :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 )
« 1 » وقد علم بالعقل أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ، فلو كان المخلوق مماثلا للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع ، والخالق يجب وجوده وقدمه ، والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه ، بل يجب حدوثه وإمكانه فلو كانا متماثلين للزم اشتراكهما في ذلك فكان كل منهما يجب وجوده وقدمه ويمتنع وجوب وجوده وقدمه ، ويجب حدوثه وإمكانه فيكون كل منهما واجب القدم ، واجب الحدوث ، واجب الوجود ليس واجب الوجود يمتنع قدمه لا يمتنع قدمه ، وهذا جمع بين النقيضين .
فإذا عرفت هذا : فنقول : إن اللّه سمى نفسه في القرآن بالرحمن الرحيم ، ووصف نفسه في القرآن بالرحمة والمحبة كما قال تعالى :
رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً
« 2 » .
قال تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
« 3 » وقال تعالى :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
« 4 » .
قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
« 5 » ويحب المحسنين ويحب الصابرين ، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنهم بنيان مرصوص ونحو ذلك .
ومن الناس : من جعل حبه ورحمته عبارة عما يخلقه من النعمة كما جعل بعضهم إرادته عبارة عن ما يخلقه من المخلوقات ، وهذا ظاهر البطلان ، لا سيما على أصل الصفاتية ، ومنهم من جعل حبه ورحمته هي إرادته ونفى أن تكون له صفات هي الحب والرضا والرحمة والغضب غير الإرادة .
فيقال لهذا القائل : لم أثبت له إرادة وإنه مريد حقيقة ونفيت حقيقة الحب والرحمة ونحو ذلك ؟
فإن قال : لأن إثبات هذا تشبيه لأن الرحمة رقة تلحق المخلوق والرب ينزه عن مثل صفات المخلوقين .
قيل له : وكذلك يقول من ينازع في الإرادة أن الإرادة المعروفة ميل الإنسان إلى ما ينفعه وما يضره ، واللّه تعالى منزه عن أن يحتاج إلى عباده وهم لا يبلغون ضره ولا نفعه بل هو الغني عن خلقه كلهم .
هامش
( 1 ) سورة الإخلاص ، الآية : 4 .
( 2 ) سورة غافر ، الآية : 7 .
( 3 ) سورة الأعراف ، الآية : 156 .
( 4 ) سورة المائدة ، الآية : 54 ،
( 5 ) سورة التوبة ، الآية : 4 .