تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الإصفهانية — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ( 51 ) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( 52 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ( 53 ) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 54 )
« 1 » . مثل هذا في القرآن كثير وما فطر فيه من المخلوقات دل على ذلك ، وفي نفس الإنسان عبرة تامة فإن من نظر في خلق أعضائه وما فيها من المنافع له وما في تركيبها من الحكمة والمنفعة ، مثل كون ماء العين مالحا ليحفظ شحمة العين من أن تذوب ، وماء الأذن مرّا ليمنع الذباب من الولوج ، وماء الفم عذبا ليطيب ما يمضغ من الطعام ، وأمثال ذلك علم علما ضروريّا أن خالق ذلك له من الرحمة والحكمة ما يبهر العقول مع ما في ذلك من الدلالة على المشيئة ، ثم إذا استقرأ ما يجده في نوع الإنسان من أن كل من عظم ظلمه للخلق وضراره لهم كانت عاقبته عاقبة سوء ، واتبع اللعنة والذم . ومن عظم نفعه للخلق وإحسانه إليهم كانت عاقبته عاقبة خير ، وأمثال ذلك استدل بما علم ما لم يعلم حتى يعلم أن الدولة ذات الظلم والجبن والبخل سريعة الانقضاء كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ( 38 ) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 )
« 2 » . وقال عز وجل :
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ( 38 )
« 3 » . كذلك سنته في الأنبياء الصادقين وأتباعهم من المؤمنين وفي الكذابين بالحق إن هؤلاء ينصرهم ويبقي لهم لسان صدق في الآخرين وأولئك ينتقم منهم ويجعل عليهم اللعنة . فبهذا وأمثاله يعلم أنه لا يؤيد كذابا بالمعجزة لا معارض لها ، لأن في ذلك من الفساد والضرر بالعباد ما تمنعه رحمته ، وفيه من سوء العاقبة ما تمنعه حكمته ،
هامش
( 1 ) سورة طه ، الآيات : 49 - 54 . ( 2 ) سورة التوبة ، الآيتان : 38 - 39 . ( 3 ) سورة محمد ، الآية : 38 .