أعمال أصولها كذلك السنن والنوافل لتكميل آثار أركان العبادات ، وعلى الجملة فالأنبياء أطباء أمراض القلوب .
وأما فائدة العقل وتصرفه أن عرفنا ذلك وشهد بصدق النبوة وبعجز نفسه عن درك ما يدرك بعين النبوة وأخذنا بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى القائدين ، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين .
فإلى هاهنا مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عمّا بعد ذلك إلا عن تفهيم ما يلقيه الطبيب إليه فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة في مدة الخلوة والعزلة .
ثم رأينا فتور الاعتقاد في أصل النبوة ثم في حقيقة النبوة ، ثم العمل بما شرحته النبوة وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق ونظرت إلى أسباب فتور الخلق وضعف إيمانهم بها فإذا هي أربعة :
سبب من الخائضين في علم الفلسفة ، وسبب من الخائضين في طريق التصوف ، وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم ، وسبب من معاملة المتوسمين من العلماء فيما بين الناس ، فإني تتبعت مدة آحاد الخلق أسأل من يقصر منهم في متابعة الشرع وأسأله شبهته وأبحث عن عقيدته وسره ، وأقول له : ما لك تقصر فيها ؟
فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا فهذه حماقة فإنك لا تبيع الاثنين بواحد فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة ؟
وإن كنت لا تؤمن فأنت كافر فدبر لنفسك في طلب الإيمان وانظر ما سبب كفرك الخفي الذي هو مذهبك باطنا وهو سبب جراءتك ظاهرا ، وإن كنت لا تصرح به تجملا بالإيمان وتشرفا بذكر الشرع فقائل يقول : هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه لكان العلماء أجدر بذلك ، وفلان من المشهورين من الفضلاء لا يصلي وفلان يشرب الخمر وفلان يأكل الأموال من الأوقاف وأموال اليتامى وفلان يأكل أدرار السلطان ولا يحترز من الحرام ، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة وهلم جرّا ، إلى أمثاله .
وقائل ثان يدعي علم التصوف فيقول : إني بلغت مبلغا ترقيت عن الحاجة إلى العبادة .
وقائل ثالث تعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة وهم الذين ضلوا عن طريق التصوف ، وقائل رابع لقي أهل التعليم ويقول : الحق مشكل والطريق إليه عسير منسد والاختلاف كثير ، وليس بعض المذاهب أولى من بعض ، وأدلة العقول
شرح العقيدة الإصفهانية — صفحة 167
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٧