الضيف ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق » « 1 » فهو لم يخف من تعمد الكذب فإنه يعلم من نفسه صلى اللّه عليه وسلم إنه لم يكذب لكن خاف في أول الأمر أن يكون قد عرض له عارض سوء ، وهو المقام الثاني فذكرت خديجة ما ينفي هذا وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم والأعمال ، وهو الصدق المستلزم للعدل والإحسان إلى الخلق ، ومن جمع فيه الصدق والعدل والإحسان لم يكن ممّا يخزيه اللّه ، وصلة الرحم وقرى الضيف وحمل الكل وإعطاء المعدوم والإعانة على نوائب الحق هي من أعظم أنواع البر والإحسان .
وقد علم من سنة اللّه أن من جبله اللّه على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه ، وأيضا فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم عليه السلام فإنه كان نبيّا وكان بنوه يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار .
وقد علم جنس ما يدعوا إليه الرسل وجنس أحوالهم فالمدعي للرسالة في زمن الإمكان إذا أتى بما ظهر به مخالفته للرسل علم أنه ليس منهم .
وإذا أتى بما هو من خصائص الرسل علم أنه منهم لا سيما إذا علم أنه لا بد من رسول منتظر ، وعلم أن لذلك الرسول صفات متعددة تميزه عمن سواه ، فهذا قد يبلغ بصاحبه إلى العلم الضروري بأن هذا هو الرسول المنتظر ولهذا قال تعالى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 )
« 2 » .
والمسلك الأول : النوعي ، هو ممّا استدل به النجاشي على نبوته فإنه لما استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرءوه عليه قال : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة .
وكذلك قبله ورقة بن نوفل لما أخبره النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بما رآه وكان ورقة قد تنصر وكان يكتب الإنجيل بالعبرانية ، فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ما يقول ، فأخبره النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بخبره فقال : هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى ، وإن قومك سيخرجونك ؟ فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « أو مخرجيّ هم » ؟ فقال : نعم ، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي « 3 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه بالأرقام ( 3 ، 3392 ، 4953 ، 4955 ، 4956 ، 4957 ، 6982 ) ومسلم في صحيحه بالأرقام ( 401 - 403 ) وأحمد في المسند ( 6 / 223 و 233 ) من حديث عائشة رضي اللّه عنها .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 146 .
( 3 ) تقدم تخريجه .