النّفوس ) أي في حال القتال ( والأموال ) أي بذلها في فك رقابهم من الأغلال ، ( والتّقريع ) أي قهرا ، ( والتّوبيخ ) أي زجرا ، ( والتّعجيز ) أي بالإذلال ، ( والتّهديد ) أي بعظائم النكال ( والوعيد ) أي بوخائم الوبال ( أبين آية ) خبر لقوله ترك والمعنى أظهر علامة وأبهر دلالة ، ( للعجز عن الإتيان بمثله ، والنّكول عن معارضته ) أي والاعراض والامتناع عن معارضة نحوه ، ( وإنّهم ) بكسر الهمزة ويجوز فتحها ( منعوا عن شيء هو من جنس مقدورهم ) وفي نسخة مقدرتهم بضم الدال وتفتح أي قدرتهم ( وإلى هذا ) أي المذهب الثاني ( ذهب الإمام أبو المعالي ) أي عبد الملك بن أبي محمد ( الجوينيّ ) بالتصغير النيسابوري وهو الملقب بإمام الحرمين أفصح الشافعية وله اليد الباسطة في الطول من علمي الكلام والأصول توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ( وغيره ) أي من علماء أهل السنة والجماعة ( قال ) أي أبو المعالي ( وهذا عندنا أبلغ في خلاف العادة بالأفعال البديعة في أنفسها كقلب العصا حيّة ونحوها ) وكإخراج اليد البيضاء وإحياء الموتى وغيرهما ، ( فإنّه قد يسبق إلى بال النّاظر ) أي قلب المتأمل ( بدارا ) بكسر الباء أي مبادرة ومسارعة من أول وهلة قبل التأمل في حقيقة أمره وخفية سره ( أنّ ذلك ) أي ما ذكر من قلب العصا حية ونحوها ( من اختصاص صاحب ذلك بمزيد معرفة في ذلك الفنّ وفضل علم ) أي في ذلك النوع كما توهم في فرعون حيث قال
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
( إلى أن يردّ ذلك ) أي السابق إلى بال الناظر مما ذكر من وهم الخاطر ( صحيح النّظر ) أي فيتحقق الفهم ويضمحل الوهم ويتبين لقلب الحي أن قلب العصا حية ونحوها مما لا يدخل تحت طوق البشر إذ هو فعل فاعل القوي والقدر ( وأمّا التّحدي للخلائق ) أي طلب المعارضة منهم باعتبار السابق واللاحق ( المئين ) وفي نسخة مئين جمع مائة وفي نسخة في المئين ( من السّنين بكلام من جنس كلامهم ليأتوا بمثله ) أي على وفق مرامهم ( فلم يأتوا ) أي الخلائق بتمامهم كما أخبر اللّه سبحانه وتعالى عنهم بقوله
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
( فلم يبق بعد توفر الدّواعي على المعارضة ثمّ عدمها ) أي بترك المناقضة ( إلّا أن منع اللّه الخلق عنها ) أي عن المعارضة لأحد الوجوه الثلاثة في بيان المعجزة ( بمثابة ما لو قال نبيّ ) أي وقد طلب منه آية وعلامة دالة على صدق دعواه للنبوة ( آيتي أن يمنع اللّه القيام عن النّاس مع مقدرتهم ) وفي نسخة مع قدرتهم ( عليه وارتفاع الزّمانة عنهم ) أي عن بعضهم للاستواء في حال عجزهم ولا يبعد أن تكون الواو بمعنى أو التنويعية ( فلو كان ذلك ) أي الذي قال ذلك النبي ( وعجّزهم اللّه تعالى عن القيام ) أي في ذلك المقام ( لكان ذلك من أبصر آية وأظهر دلالة ) أي في إقامة البرهان وإبانة التحقيق ( وباللّه التّوفيق ) ونظيره قوله تعالى لزكريا
آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
؛ ( وقد غاب عن بعض العلماء ) أي خفي عليه ( وجه ظهور آيته ) أي معجزته التي هي القرآن ( على سائر آيات الأنبياء ) أي في باقي الأزمان ولم يدر أنها ببقائها معلومة لكل واحد في كل أوان متلوة بكل مكان ( حتّى احتاج للعذر عن ذلك ) أي الذي زعمه من عدم