تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأصول الخمسة — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
وأما تحديه العرب بمعارضته القرآن ، وتقريعه إياهم بالعجز عن ذلك ، ففي أصحابنا من جعل العلم به ضروريا ، ومن جعله مكتسبا . ومن جعله مكتسبا قال : ليس المرجع بالتحدي إلا أن يعتقد أن له مزية على غيره بسبب ما معه ، وهذا كان حال النبي عليه السلام مع القوم ، فكان يعتقد أنه خير الناس لمكان ما جاء به من القرآن ، فكيف يمكن إنكار أنه لم يتحداهم بمعارضته ولم يقرعهم بالعجز عن الإتيان بمثله ؟

تحدي العرب بالقرآن

وأيضا ، فكتاب اللّه تعالى مشحون بآيات التحدي ، نحو قوله عز وجل :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ
[ الإسراء : 88 ] الآية . وقوله :
فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ
[ هود : 13 ] وقوله :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ
[ يونس : 10 ] إلى غير ذلك من الآيات التي معناها معنى هذه الآيات . فإن قيل : ما أنكرتم أن هذه الآيات التي هي آيات التحدي زيدت في القرآن . وجوابنا ، لو أمكن أن يقال في هذه الآيات إنها مزيدة لأمكن أن يقال في قوله :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
[ البقرة : 43 ] وقوله :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
[ المائدة : 6 ] وغيرهما من الآيات ، حتى يجوز ذلك في سائر القرآن ، ومعلوم فساده . وأيضا ، فإن هذه الآيات مسموعة الآن والتحدي قائم على وجه الدهر ، وفي الفصحاء كثرة في هذه الأزمان فيجب أن يأتوا بمثله ، ومتى قالوا : إن الفصاحة تناقصت الآن كالشعر ، قلنا : إن أمكن أن يقال ذلك في الشعر فلا يمكن في الفصاحة ، ففي خطباء هذه الأزمنة من لا يداني كلامه كلام أفصح فصيح في ذلك الزمان . فهذا وأصل بن عطاء ربما تفي خطبة من خطبه بكثير من كلام فصحاء أولئك العرب ، وهذا أبو عثمان عمرو بن عبيد ، ففصل من كلامه ربما يزيد على كلام أبينهم كلاما وأجزلهم لفظا وأفصحهم كلاما ، فكيف يصح ما ذكرتموه .

ترك العرب معارضة القرآن

وأما ترك العرب معارضة القرآن ، وعدولهم عنه إلى المقاتلة فظاهر أيضا ، فإنهم حين أحسوا من أنفسهم العجز عن الإتيان بمثل القرآن ، تركوه إلى المقاتلة ، وذلك يؤذن بعجزهم عن ذلك ، وإلا فالعاقل إذا أمكنه دفع خصمه بأيسر الأمرين لا يعدل عنه