تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأصول الخمسة — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
رجعت الكتاب إلى المصائب لكان لا بد من أن يكون المراد به ما يصيبنا من الآلام والانتقام من جهة اللّه تعالى ، فقد تمدح بالآية ولا تمدح بالقبائح في موضع من المواضع . ومما يتعلقون به ، قوله تعالى :
وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ
[ الروم : 22 ] ، ولا تعلق لهم أيضا به ، فإن المراد بذلك الآلات ومجاري الكلام ومجاري هذه الحروف ، لا الحروف والأصوات . يزيده وضوحا أنه تعالى تمدح بذلك ، وليس في كون هذه الحروف فعلا له ما يدل على المدح إن لم يدل على الجهل والحاجة . ومما يتعلقون به ، قوله جلّ وعزّ :
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 )
[ الملك : 13 ، 14 ] . والجواب أن المراد به أنه الخالق للصدور ، بدليل أن الآية وردت مورد التوبيخ والذم ولا ذم على سر أو جهر لم يتعلق بنا . يبين ذلك أن هذا الكلام إذا لم يحمل على ما قلناه يجري مجرى أن يقول : وأسروا قولكم أو اجهروا به فإني عليم بما أنا فاعله ، وهذا لا يستقيم . ومما يتعلقون به ، قوله :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
[ البقرة : 128 ] قالوا : وفي ذلك ما يدل على أن الإسلام من قبله تعالى ، وكل من قال بأن الإسلام من قبل اللّه تعالى قال بذلك في جميع الأفعال . وجوابنا أنا لا نسلم أن الإسلام من قبل اللّه تعالى ، وكيف يكون من قبله وقد مدح عليه وذم على خلافه ، ورغب في الثواب بفعله والعقاب بتركه ؟ وأيضا فإنه موقوف على أحوالنا ، ألا ترى أنه يقع بحسب قصدنا ودواعينا وينتفي بحسب كراهتنا وصوارفنا فكيف يكون من جهته ؟ فإذا لا بد من أن يؤول ذلك ويقال : إن المراد به ، اللهم الطف لنا ووفق حتى نستسلم لك ونؤمن بك . ومما يتعلقون به ، قوله تعالى :
وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً
[ الحديد : 27 ] بين تعالى أن الرأفة من قبله . وجوابنا أنه نهى في بعض المواضع عن الرأفة فقال :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
[ النور : 2 ] ولو كان من قبله لم يجز النهي عنه فيجب أن يؤول الجعل هاهنا فيقال : إن المراد الحكم هاهنا والألطاف فلا يبقى لهم متمسك . ومما يتعلقون به قوله ، عزّ وجلّ :
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 )
[ النجم : 43 ] ، قالوا : بين أن الضحك والبكاء من جهته جلّ وعزّ ، ومن قال بذلك لم يفصل بينه وبين