والاختلاف إنما يصحان على الذوات دون الصفات ، فكيف يصح وصف الحدوث به .
على أن ما يتعلق بنا هو ذات الحركة على وجه الحدوث . وإنما كان يجب ذلك ، لو ثبت في الذوات كلها من الجواهر والألوان أنها تقف على قصدنا ودواعينا لا الحدوث ، فلا يجب إذا تعلق بنا ذات أن تتعلق بنا سائر الذوات كالحركة . فأما إذا لم تثبت هذه الطريقة إلا في بعض الذوات دون بعض فإنه لا يجب أن تتعلق كلها بنا .
ثم يقال لهم : أليس أن وجه الكسب ثابت في هذه التصرفات على حد واحد ولم يجب في القادر على بعضها أن يكون قادرا على سائرها ، فهلا جاز مثله في مسألتنا ؟
ومما يتعلقون به في هذا الباب ، قولهم : لو تعلقت هذه التصرفات بنا من جهة الحدوث لوجب تعلقها بنا على سائر صفاتها التي هي كونها شيئا وعرضا وحسنا وقبيحا ، ومعلوم خلافه .
والجواب عنه ، أن يقال لهم : أليس أنها تتعلق بنا من جهة الكسب ثم لا يجب تعلقها بنا من هذه الوجوه التي ذكرتها ، فهلا جاز مثله في مسألتنا ؟ ثم يقال لهم : ولم جمعتم بين بعض هذه الوجوه وبين البعض ؟ وما أنكرتم أن الفعل إنما يصح تعلقه بنا من جهة الحدوث لأنه لا يجب مع الصحة ، وليس كذلك الوجوه التي ذكرتموها ، فإن كونه شيئا يجب عند الصحة ، وكذلك كونه حسنا وقبيحا . على أن هذه الأمور ليست من الصفات في شيء ، لأن الشيء ليس له بكونه شيئا حال ، وليس له بكونه عرضا ولا بكونه حسنا أو قبيحا حال ، بخلاف الحدوث ففسد ما قالوه .
ومما يتعلقون به ، قولهم : لو قدر الواحد منا على إيجاد هذه التصرفات وإخراجها من العدم إلى الوجود لوجب قدرته على إعادتها ، بدليل أنه تعالى لما قدر على الإيجاد قدر على الإعادة .
وجوابنا من أين ثبت لكم أنه تعالى إنما قدر على الإعادة لقدرته على الإيجاد ؟
وهل هذا إلا دعوى مجردة ؟ ثم نقول لهم : إن في مقدور القديم تعالى ما لا يصح إعادته أيضا ، وهو المفعول بسبب والأجناس التي لا تبقى ، كالصوت وغيره .
فإن قالوا : إنا لا نجوز ذلك ولا نسلمه قلنا : لم نبن كلامنا على تسليمكم حتى يضرنا عدمه ، وإنما بنيناه على الدلالة .
فإن قالوا : وما الذي يدل على أن المفعول بسبب وما لا يبقى من الأخبار مما لا يصح إعادتها ؟ قلنا : أما ما لا يبقى : لو صح إعادته لانقلب باقيا ، لأنه إذا صح عليه
شرح الأصول الخمسة — صفحة 251
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥١