تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأصول الخمسة — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
مدح يرجع إلى فعل من أفعاله ، وهما مختلفان في هذا الباب . ألا ترى أنه لا يحسن من الزين أن يتمدح بترك التسلق على ما ذكرناه لما لم يقدر عليه ويحسن منه أن يتمدح بنفي الخرس عن نفسه ، وإن لم يقدر على ذلك ، لما كان أحد المدحين راجعا إلى ذاته والآخر راجعا إلى الفعل ، كذلك في مسألتنا .

فصل [ وجوه من الإلزام على القول بأنه تعالى يفعل القبيح ]

وقد أورد مشايخنا وجوها من الإلزام على القول بأنه تعالى يفعل القبيح ، ويمكن أن يستدل ببعضها على أنه لا يفعل القبيح . فمن ذلك ما قد ثبت في مقدور القديم تعالى من الحسن ما يستغنى به عن القبيح ، فيجب أن لا يختار القبيح ، لأن من استغنى بالحسن عن القبيح ، لا يختار القبيح بحال . وهذه الدلالة مبنية على أنه تعالى مستغن بالحسن عن القبيح ، وأن من كان هذا حاله فإنه لا يختار القبيح .

في مقدور القديم أن يستغني عن القبيح :

أما الذي يدل على الأصل الأول ، فهو ما قد ثبت أن اللّه تعالى قادر لذاته ، ومن حق القادر لذاته أن يكون قادرا على سائر أجناس المقدورات ومن كل جنس على ما لا يتناهى ، وهذا يوجب أن يكون في مقدوره من المحسن ما يستغني به عن القبيح ، إذ الحاجة إنما تتعلق بالضروب والأجناس دون الأعيان ، ألا ترى أن من احتاج إلى حلاوة ، لا تختص حاجته بحلاوة معينة لا يقوم غيره مقامها .

المستغني عن القبيح بالحسن لا يفعل القبيح :

وأما الكلام في أن المستغني بالحسن عن القبيح لا يختار القبيح فظاهر ، لأنا نعلم في الشاهد ضرورة أن أحدنا إذا استغنى باقتضاء دينه عن غصب مال الغير فإنه قط لا يغصب مال الغير ، لا ذلك إلا لاستغنائه بالحسن عن القبيح . وأوضح في المثال من هذا ، هو من استغنى بماء الفرات عن اغتصاب شربة من ماء الغير بأن يكون على الشط فإنه قط لا يغصب تلك الشربة من غيره ، ولا وجه له إلا استغناؤه بالحسن على القبيح على ما ذكرناه . وهذه العلة بعينها قائمة في القديم تعالى ،