وذهب الثنوية إلى القول بقدم النور والظلمة ، ثم قالوا : ما زالا متنافرين تصعدا وتسفلا ، فكان النور صاعدا ، والظلام متسفلا ، ثم امتزج منهما جزءان ، فكان العالم من امتزاجهما .
وذهب المرقيونية « 1 » إلى إثبات معدل بين النور والظلمة . ثم من مذهب الثنوية « 2 » أو النور والظلمة عند الامتزاج يفعلان العالم قصدا . ومنهم من يقول : اقتضاه طبعا . والنور لو تفرد مزاجه ، لم يقتض إلا الخير ، والظلام لو تفرد ، لم يقتض إلا الشر .
وصار الأشغانية إلى أن الظلام موات يقتضي الشر بطبعه ، والنور حيّ يقع منه الخير قصدا .
وذهب المجوس « 3 » إلى القول بقدم النور وحدث الظلام ، ثم اختلفوا في سبب حدث الظلام . فقال منهم قائلون : إنما حدث لشكة خطرت لبعض أشخاص النور ، وكانت فكرة ردية في الصلاة ، فولدت الظلام ، ثم تركب الظلام شيطانا .
وقال آخرون : إنما تولد الظلام من فكرة متعقبة لبعض أشخاص النور ، وكانت فكرة ردية عبروا عن رداءتها بالعقوبة ، ثم نعتوها فقالوا : خطر لبعض أشخاص النور ، أنه لو حدث ظلام شرير يناوئني وينازعني عزّى ، كيف كان يكون ؟ فتولدت من الفكرة : الظلمة .
وصار آخرون إلى أن الظلمة حدثت بإحداث بعض أشخاص النور ، فإنه أحدثها معاقبة لما فرطت منه مفارقة ما يخالف الحكمة .
وعن أبي زكريا المتطبب « 4 » أنه قال بقدم المكان والزمان ، والنفس والعقل المبدع .
هامش
( 1 ) انظر الملل والنحل للشهرستاني ص 203 - 204 .
( 2 ) انظر الملل والنحل للشهرستاني ص 203 - 204 .
( 3 ) المجوسية : يقال لها الدين الأكبر ، والملة العظمى ، إذ كانت دعوة الأنبياء عليهم السلام بعد إبراهيم الخليل عليه السلام لم تكن في العموم كالدعوة الخليلية ، ولم يثبت لها من القوة والشوكة والملك والسيف مثل الملة الحنيفية ، إذ كانت ملوك العجم كلها على ملة إبراهيم عليه السلام ، وجميع من كان في زمان كل واحد منهم من الرعايا في البلاد على أديان ملوكهم ، وكان لملوكهم مرجع هو « موبذ موبذان » يصدرون عن أمره ولا يخالفونه ويعظمونه . وكانت دعوة بني إسرائيل أكثرها في بلاد الشام وما وراءها من المغرب . الملل والنحل ص 185 - 186 .
( 4 ) محمد بن زكريا الرازي ، أبو بكر ( 251 - 313 ه 865 - 925 م ) فيلسوف ، من الأئمة في صناعة الطب من أهل الري ، ولد وتعلم بها ، وسافر إلى بغداد بعد سنّ الثلاثين ، أولع بالموسيقى والغناء ونظم الشعر في صغره ، واشتغل بالسيمياء والكيمياء ، ثم عكف على الطب والفلسفة في كبره فنبغ واشتهر وتولى تدبير مارستان الري ، ثم رئاسة أطباء البيمارستان المقتدري في بغداد . عمي في آخر عمره ، ومات ببغداد . له تصانيف منها « الحاوي » و « الطب المنصوري » و « الجدري والحصبة » وغير ذلك .