وأيضا : فإن الآية متضمنة إضافة الزلزلة إلى الساعة ، والمعدوم لا تتحقق إضافته إلى الساعة قبل قيامها . فلئن جاز لهم أن يحملوا الآية على التجوز فيما ذكرناه ، جاز لنا أن نحمل كونها شيئا على تقدير الوجود .
وأما وجه الرد على هشام حيث قال : الشيء هو الجسم . فمن أوجه :
أحدها : ما قدمناه من تقسيم الكلام عليه ، في أن هذا الاسم ما حدّه العقل أو اللغة ، وقد سبق طرده ثم نقول : أتثبت الأعراض أم تنفيها ؟ فإن نفاها أقمنا عليه الدليل في إثباتها ، وإن أثبتها ، سألناه عن وجودها . فإن وصفها بالوجود فمن المستحيل في إطلاق اللغة الجمع بين إثبات الوجود ونفي الوصف بالشيء ، فلا يقال : هذا موجود كائن وليس بشيء . ثم الذي قاله تحكم . فيقال : لم تنكر على من يزعم أن الشيء هو الجرم ، فلا يجد عن المعارضة محيصا ، إذ كل واحد من القولين عري عن البرهان ، غير معضود بقضية عقل ولا موجب لسان .
ثم نقول : الجسم ينبئ عن التأليف ، وهو الأسماء التي يتحقق التفاضل في مقتضاها ، إذ يقال للجسمين المتفاضلين بالضخامة والضالّة : هذا أجسم من هذا . ويقال فيه : الجسم والجسيم مع إيتاء بياء فعيل على المبالغة ، والشيء لا تفاضل في مقتضاه .
ونستدل بآي من كتاب اللّه تشتمل على تسمية الأفعال أشياء ، منها قوله تعالى :
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا
[ مريم : 89 ] . وأراد بذلك ادعائهم للّه ولدا ، تعالى اللّه علوا كبيرا . وقال عز من قائل :
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
[ القمر : 52 ] . وأراد بذلك تعذيبهم وتخويفهم .
وقال تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 23 - 24 ] إلى غير ذلك من آي القرآن .
وأما مذهب جهم فمعارض بمذهب الناشي ، ومن أحاط بما قدمناه هان عليه مدرك الرد عليهما :
فصل [ هل المعدوم معلوم ؟ ]
قد ذكرنا أن المعدوم معلوم عند أهل الحق . والمعنى بكونه معلوما أن انتفاؤه معلوم ، كما أن ثبوت الثابت معلوم . وذهب بعض النابتة من مبتدعة سجستان إلى أن المعدوم ليس بمعلوم ، وقد نسب بعض من لا يخبر الحقائق إلى الأستاذ أبي إسحاق هذا المذهب ، وظن