انتفاء تضاد المعنيين في محلين ، وليس معهما جوهر ثالث نقدر تضاد كونين عليه .
وسلك القاضي في ذلك طريقتين مرضيتين : إحداهما أنه قال : لا يوجد جوهر بحيث وجود جوهر . وهذه الاستحالة لا ترجع إلى تضاد عرضين . كما لا يرجع تضاد العرضين واستحالة اجتماعهما إلى تضاد عرضين آخرين سواهما ، بل تضاد السواد والبياض لعينيهما وذاتيهما ، فكذلك يستحيل اجتماع جوهرين في حيز واحد لعينيهما .
ثم القاضي لما سلك هذه الطريقة ، لم يسمّ ذلك تضادا بين الجوهرين .
وقال الأستاذ عند ذكر هذه الطريقة : لو سميت ذلك تضادا لم يبعد ، إذ لا معنى لمضادة السواد البياض إلا أن أحدهما لا يوجد بحيث وجود الثاني . فكذلك إذا امتنع وجود أحد الجوهرين بحيث وجود الثاني ، فقد تحقق فيهما مقتضى التضاد المتفق عليه بين العرضين المتضادين .
وسلك القاضي طريقة أخرى فقال : إنما لم يوجد أحد الجوهرين بحيث الثاني الآن شرط وجود كونه في حيز عدم كون غيره فيه . والشرائط منقسمة عنده فقد تكون عدما ، وقد تكون وجودا على ما سنقرره في أحكام العلل والشرائط ، إن شاء اللّه . ثم لا بعد في أن يتعلق الشرط بذات ، والمشروط بذات أخرى . وهذا كما أن القدرة القديمة شرط وجود كل حادث . فهذا تفصيل القول في اجتماع جوهرين في حيز واحد أو على مكان واحد .
فإن قال قائل : ما المانع من كل جوهر في حيزين ومكانين ؟
قلنا : إنما امتنع ذلك لتضاد كونيه . ويستقيم التعويل في ذلك على التضاد ، وإن اضطرب في الفصل الأول من حيث كان مفروضا في اجتماع جوهرين وبعد تضاد كونهما .
وهذا الفصل مفروض في استحالة كون جوهر في مكانين فيتحقق التضاد في كونيه .
وصار بعض المتكلمين إلى أن الجوهر إنما استحال أن يشغل حيزين لاتحاده ، كما يستحيل أن يحل العرض محلين ، إذ لو حلّ محلين لانقسم ، ومن حكم الواحد أن لا ينقسم .
وهذه الطريقة مرضية أيضا ، لولا اعتراض واحد وهو : أن الجوهر الواحد يجوز أن يلاقي ستة من الجواهر ، ولا يجوز تقدير مثل ذلك في العرض . فالأقطع للتشغب صرف ذلك إلى تضاد الأكوان .
فصل [ استحالة اجتماع الضدين ]
مذهب أهل الحق المصير إلى تضاد كل كونين يقدران على البدل في الجوهر الواحد إلا المماسة ، ففيها تفصيل . وسيأتي ذكره إن شاء اللّه .