أصله أن يقول : علمت صفة لم يدركوها من غير ضرورة ولا نظر ، وهذا يقدح في أصول من التوحيد .
وأما ما تمسك به من أن النظر يستعقب العلم ، ولا يوجد العلم إلا بعد انقضائه ، فالذي قاله ينعكس عليه في كون النظر متضمنا للعلم . فإنه لا يأبى ذلك ولا ينكره ، ثم إنما يتضمن العلم بعد انقضائه . فلئن جاز ارتباطه بالعلم بعد انقضائه ، جاز ارتباط العلم به بعد انقضائه ، على أنا قدمنا أن تذكر النظر يدوم ويقارن العلم بالمنظور فيه . وقد سبق فيه قول مقنع .
فصل [ اقتضاء النظر العلم ]
فإن قيل : إذا انقضى النظر على حكم الصحة ، فيجوز أن يعقبه آفة تضاد العلم . وإنما يثبت العلم عند انتفاء اضداده ، وليس يقتضي النظر نفي أضداد العلم به ، فلا معنى لاقتضاء النظر العلم ، فإنما يثبت العلم من حيث لا يخلو المحل عنه أو عن أضداده ، فإذا انتفت أضداده فلا بد من ثبوته وهذا لا اختصاص له بالعلوم ، بل هو مطرد في جملة الأعراض ذوات الأضداد ، وهذا تلبيس . وكشف القول فيه : إن النظر لا يتضمن نفي الأضداد العامة كالموت والغشية والغفلة ، ولكنه يتضمن نفي الجهل والشك وغلبات الظنون ، حتى لا يسوغ تقدير انقضاء نظر صحيح مع ثبوت الشك في المنظور فيه ، وكذلك لا يسوغ ثبوت الجهل بالمنظور فيه ، فاستبان غرضنا في اقتضاء النظر العلم .
فصل [ النظر والاستدلال المؤديان إلى اللّه سبحانه واجبان ]
النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة اللّه سبحانه واجبان . ثم الذي اتفق عليه أهل الحق : أنه لا يدرك وجوب واجب في حكم التكليف عقلا ، ومدارك موجبات التكليف الشرائع ، ولا نتوصل بقضية العقل قبل استقرار الشريعة إلى درك واجب ولا حظر ولا مباح ولا ندب . وقالت المعتزلة : ندرك بالعقل قبل تقرير الشرائع وجوب جمل من الأشياء .
وستأتي هذه المسألة مستقصاة في صدر « التعديل والتجويز » إن شاء اللّه .
ولكنا نذكر الآن ما يتعلق من المسألة بالنظر . فمن أصل المعتزلة أن وجوب النظر يستدرك عقلا ولا يتوقف ثبوته على شرع . ثم قالوا : سبيل استدراكه أن العاقل إذا فكر ،