فإن قالوا : نحن لا نستنكر أن يثبت الحكم معلولا موجبا مرة ، وغير معلول أخرى ، ولهذا قلنا إن كون العالم منا عالما ، معلول ، وكون القديم سبحانه وتعالى عالما ، غير معلول .
فالجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما أن نقول : من أعظم زللكم وأوضح تخليطكم وجهالاتكم فرقكم بين الشاهد والغائب في حكم العلة ، وسنبسط القول عليكم في الصفات إن شاء اللّه .
والوجه الآخر في الجواب أن نقول : من فرق منكم بين الشاهد والغائب في حكم العلة ، أسند معتقده إلى فرق أبداه ، ليس يتحقق مثله في الذي نحن فيه . وذلك أنه قال :
كون القديم - سبحانه وتعالى - عالما ، واجب له ، والواجب لا يعلل ، بل يستقل بوجوبه عن اقتضاء موجب ، وكون الواحد منا عالما ، جائز . فقد أشار هؤلاء إلى ما في صدورهم من الفرق .
والذي نحن فيه من التماثل والاختلاف ، لا تفارق صورة منه صورة أخرى في حكم جواز وجوب ، فنفرق بينهما في تعليل أحدهما ، ونفي تعليل الثاني ، وهذا ما لا مخلص لهم عنه .
وإن تعسف من جهلة المعتزلة متعسف وقال : الاجتماع في الأخص ليس بموجب للاجتماع في سائر الصفات ، وهذا خروج عن مذهب القوم ، وإعراض عن معتقدهم . على أنه باطل من وجهين : أحدهما أن نقول : إذا اعترفتم بأن الاجتماع في الأخص ليس بموجب للتماثل فيما عداه من الأوصاف ، فما يؤمنكم أن يجتمع الشيئان في الأخص مع التباين في بعض الأوصاف ، كما يختلف المختلفان في الأخص مع الاشتراك في كثير من الأوصاف ؟
فإذا لم يكن الاجتماع في الأخص موجبا للاجتماع في الأوصاف ، ولا مقتضيا له ، فما المانع مما قلناه ؟
ثم نقول : لو ساعدنا على أن المتماثلين في الأخص ، متماثلان في سائر الأوصاف ، وهو الذي أشار إليه القاضي رضي اللّه عنه في بعض أجوبته - وقد سلمتم لنا أن الاجتماع في الأخص ، لا أثر له في إيجاب الاجتماع في سائر الصفات - فما بالكم ذكرتم في حكم التماثل الأخص ، وأعرضتم عن غيره ؟ ولا بد في حكم التماثل من الاشتراك في سائر الصفات . ولزوم ذلك في الأخص كلزومه في غيره ، وليس بعض الصفات مقتضيا بعضا على هذه الطريقة . ولا معنى لتخصيص الأخص بالذكر ، إذ قضية التماثل تعم جملة صفات النفس ، فيلزم التعرض لجميعها . وهذا الذي صار إليه أهل الحق حيث قالوا : المتماثلان :
الشامل في أصول الدين — صفحة 138
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص١٣٨